الدار البيضاء بين منطق الجباية ومنطق العدالة: من يدفع ثمن الإصلاح الجبائي؟

هبة زووم – أحمد الفيلالي
تستعد جماعة الدار البيضاء للدخول في مرحلة جديدة من التدبير الجبائي، عبر عرض مشروع تعديل وتتميم القرار الجبائي رقم 2018/01، في سياق وطني موسوم بإصلاحات تشريعية عميقة همّت جبايات الجماعات الترابية، خاصة بعد صدور القانون رقم 14.25 وتوجيهات وزارة الداخلية بشأنه.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل نحن أمام إصلاح جبائي عادل، أم مجرد إعادة توزيع للأعباء على حساب المواطن؟
ومن أبرز ما حمله جدول أعمال جماعة الدار البيضاء، اقتراح رفع الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية بالمناطق المجهزة (الفئة الأولى) إلى 30 درهمًا للمتر المربع، أي الحد الأقصى الذي يسمح به القانون.
ورغم أن هذا الإجراء يُقدَّم باعتباره وسيلة لمحاربة المضاربة العقارية وتشجيع تعبئة العقار، إلا أن غياب نقاش عمومي حقيقي حول معايير تصنيف المناطق المجهزة، يفتح الباب أمام تخوفات مشروعة من تعميم الرفع الجبائي دون مراعاة الفوارق المجالية الدقيقة داخل المدينة.
فالدار البيضاء ليست وحدة متجانسة، بل فسيفساء عمرانية تتعايش فيها أحياء تتوفر على تجهيزات شكلية فقط، مع أحياء تعاني خصاصًا بنيويًا في الخدمات الأساسية، ما يجعل تطبيق السقف الأقصى للضريبة مسألة تحتاج إلى حذر تقني وعدالة ترابية، لا إلى منطق الجباية السهلة.
مواقف السيارات.. امتيازات مهنية أم كيل بمكيالين؟
في بند آخر، اقترحت الجماعة تمكين موظفي الأمن الوطني وموظفي الخزينة العامة من ركن سياراتهم بمربد “الجامعة العربية” مقابل 100 درهم شهريًا.
ورغم وجاهة الاعتراف بأهمية هذه الفئات، فإن الإجراء يطرح تساؤلات محرجة حول مبدأ المساواة أمام المرفق العمومي، خاصة في مدينة تعاني أصلًا من فوضى مواقف السيارات، وغلاء تسعيرها، وغياب بدائل حقيقية للمواطن العادي.
فهل نحن أمام سياسة اجتماعية مهنية واضحة المعالم؟ أم مجرد استثناءات قد تُفتح على مطالب فئوية أخرى، تُفرغ التنظيم الجماعي من روحه وتحوّله إلى منطق الامتيازات بدل منطق الخدمة العمومية؟
القانون 14.25: مركزية الجباية وتفكيك الأدوار المحلية
على المستوى الوطني، جاءت دورية وزارة الداخلية المؤرخة في 5 غشت 2025 لتُحدث تحوّلًا بنيويًا في تدبير الجبايات المحلية، عبر إسناد إصدار وتحصيل رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية إلى المديرية العامة للضرائب، بدل الخزينة العامة، وفق مبدأ “من يُصدر يُحصِّل”.
هذا التوجه، ورغم ما يحمله من وعود بتحسين النجاعة وتقليص المتأخرات، يطرح مخاوف حقيقية من تراجع استقلالية الجماعات الترابية، وتحويلها إلى مجرد مستفيد من مداخيل لا تتحكم في آليات إنتاجها ولا في علاقتها المباشرة بالملزمين.
كما أن إحداث قباض جماعيين، ومنحهم صلاحيات التحصيل الجبري، قد يُسهم في رفع المداخيل، لكنه في المقابل ينذر بتصعيد التوتر بين الإدارة والملزمين، في غياب ضمانات اجتماعية واضحة تراعي الهشاشة والقدرة على الأداء.
التصنيف الجبائي والرقمنة: إصلاح تقني أم عبء جديد؟
اعتماد تصنيف جديد للمناطق الجبائية، وفق مستوى التجهيز، يبدو نظريًا منسجمًا مع مبدأ العدالة الجبائية. غير أن نجاح هذا الإجراء يظل رهينًا بمدى دقة الخرائط، وشفافية معايير التصنيف، ومشاركة الساكنة في تحديد واقع أحيائها.
أما الرقمنة، التي تراهن عليها الوزارة عبر منصة إلكترونية للأداء والتصريح، فتبقى خطوة إيجابية، لكنها قد تتحول إلى عبء إضافي إذا لم تُواكب بتبسيط المساطر، وضمان ولوج فعلي للفئات غير المتمكنة رقميًا.
بين الإصلاح والاحتقان: من يدفع الفاتورة؟
ما يجري اليوم في الدار البيضاء، وفي غيرها من المدن، يعكس مفارقة واضحة: إصلاحات جبائية طموحة على الورق، لكنها محفوفة بمخاطر اجتماعية حقيقية على الأرض.
ففي ظل غلاء المعيشة، وتآكل القدرة الشرائية، يصبح أي رفع ضريبي – ولو كان قانونيًا – مادة محتملة للاحتقان، إذا لم يُربط بتحسين ملموس في جودة الخدمات، وشفافية في صرف المداخيل، وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد