زيارة بلا أطباء.. عندما تتحول الصحة في أزيلال إلى ديكور رسمي

عمر أوزياد – أزيلال
حلّ وزير الصحة والحماية الاجتماعية، يوم أمس، بمنطقة آيت عتاب بإقليم أزيلال، حيث أشرف على إعطاء انطلاقة خدمات عدد من المراكز الصحية القروية، في زيارة رسمية تندرج، نظريًا، ضمن مجهودات تحسين العرض الصحي وتقريب الخدمات من ساكنة المناطق الجبلية التي عانت طويلًا من التهميش والإقصاء.
ولا خلاف حول أهمية أي مبادرة تروم الارتقاء بالخدمات الصحية في العالم القروي، غير أن منطق الصراحة يفرض طرح السؤال الذي يتجنبه الخطاب الرسمي عادة: ما جدوى افتتاح مراكز صحية تفتقر إلى الأطباء والتجهيزات والأدوية؟
إن تشييد البنايات الصحية، في حد ذاته، لا يمكن اعتباره إنجازًا مكتمل الأركان. فالمرافق يمكن تشييدها بالإسمنت في زمن قياسي، لكن الصحة لا تُبنى بالجدران وحدها. الإشكال الحقيقي، كما تؤكده يوميات ساكنة أزيلال، يكمن في الخصاص المهول في الموارد البشرية، وغياب التجهيزات الأساسية، وانعدام الأدوية، ما يحول هذه المراكز إلى بنايات صامتة، لا تعالج مريضًا ولا تُنقذ روحًا.
مراكز صحية بلا أطباء قارين، بلا ممرضين كافين، وبلا تجهيزات إسعافية، تصبح في أحسن الأحوال واجهات إدارية، وفي أسوأها عنوانًا صارخًا لهدر المال العام، حين يُختزل الحق في الصحة في صورة تذكارية وبلاغ رسمي.
ويبدو أن السياسات الصحية المعتمدة لا تزال عاجزة عن استيعاب خصوصية المجال الجبلي، حيث لا يكفي إسقاط نموذج حضري جاهز على مناطق تعاني من العزلة، وصعوبة الولوج، وقساوة الطبيعة، وغياب وسائل النقل.
فساكنة أزيلال لا تحتاج إلى أرقام تُعلن في المناسبات الرسمية، بقدر ما تحتاج إلى طبيب حاضر، وممرض قار، وسيارة إسعاف مجهزة، وأدوية متوفرة في الزمن المناسب.
الأزمة تتجلى بشكل أوضح داخل المستشفى الإقليمي لأزيلال، الذي يعرف خصاصًا خطيرًا في التخصصات الطبية، ما يضطر المرضى إلى قطع عشرات الكيلومترات نحو بني ملال أو مراكش بحثًا عن علاج قد يكون بسيطًا، لكن كلفته تصبح مضاعفة حين تُضاف إليها مشقة السفر والفقر والهشاشة.
ولعل الدليل الأبلغ على هذا الوضع الهش، هو اللجوء إلى إحداث مستشفى ميداني بالإقليم بتعليمات ملكية سامية، استجابة لحاجة استعجالية وواقع صحي متأزم. غير أن هذا الحل، رغم أهميته، يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا تتحول هذه الاستجابة الظرفية إلى سياسة دائمة عبر تعيين أطباء وتخصصات قارة بالإقليم؟
لقد كانت ساكنة أزيلال تنتظر من هذه الزيارة أجوبة دقيقة وملموسة: كم عدد الأطباء الذين تم تعيينهم فعليًا بالإقليم؟ ما هي التخصصات التي تم تعزيزها؟ ومتى سيتحول الحق الدستوري في الصحة من شعار إلى ممارسة يومية؟
أما الاكتفاء بالزيارات البروتوكولية، والتقاط الصور، وتسويق أرقام لبنايات غير مفعّلة، فلن يغيّر شيئًا من واقع المعاناة، ولن يرمم جراح قطاع صحي ما يزال ينزف في صمت، بعيدًا عن عدسات الكاميرات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد