هبة زووم – الدار البيضاء
لم يعد ما يجري داخل مجلس مقاطعة سباتة مجرد تعثر عابر في التدبير، ولا زلة لسان يمكن تبريرها بحرارة النقاش السياسي.
ما وثقته دورة يناير الأخيرة، عبر فيديو متداول يوثق تبادلًا للعنف اللفظي بين مكونات المجلس، هو تعبير فجّ عن انهيار منطق المؤسسات، وانفلات واضح في ممارسة السلطة التمثيلية، داخل واحدة من أكثر مقاطعات الدار البيضاء هشاشة اجتماعيًا واكتظاظًا سكانيًا.
الفيديو، رغم قصر مدته، حمل من الدلالات ما تعجز عنه التقارير الرسمية والبلاغات المنمقة، صراخ، اتهامات متبادلة، وانحدار في لغة التخاطب، في غياب رئيس المجلس توفيق كميل، وكأن المؤسسة تُدار بـ”التحكم عن بعد”، أو تُترك لمصيرها كلما غابت الرقابة السياسية والأخلاقية.
ما حدث لا يمكن اختزاله في “تشنج لحظي”، بل يعكس غيابًا صارخًا لقواعد التدبير الرشيد، مجلس يُفترض فيه أن يناقش قضايا الساكنة – من البنية التحتية إلى الخدمات الاجتماعية – تحول إلى فضاء لتبادل العنف اللفظي، دون احترام لأدنى شروط النقاش الديمقراطي.
الأخطر من ذلك، أن هذا الانزلاق وقع في جلسة عمومية، ما يعني أن العبث لم يعد يُمارس خلف الأبواب المغلقة، بل أمام أعين المواطنين، في استهانة واضحة بصورة المؤسسات وبثقة الناخبين.
غياب رئيس المجلس عن أشغال الدورة لم يكن مجرد تفصيل إداري، بل عنصرًا مركزيًا في ما آلت إليه الجلسة، فحين يغيب من يُفترض فيه ضبط النقاش، وتطبيق النظام الداخلي، يصبح المجلس أرضًا خصبة للفوضى، وتتحول المسؤولية الجماعية إلى عبء يتقاذفه الجميع دون محاسبة.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن لمجلس أن يدبّر شؤون آلاف المواطنين، وهو عاجز عن تدبير جلسة واحدة دون انزلاق؟
العنف اللفظي الذي ظهر في الفيديو ليس استثناءً، بل نتيجة طبيعية لثقافة سياسية مأزومة، تقوم على منطق “من يعرف من” بدل “من ينجز ماذا”، ثقافة ترى في المجلس منصة للتموقع والصراع، لا أداة لخدمة الصالح العام.
حين يصرخ مستشار، فذلك ليس دفاعًا عن مشروع أو رؤية، بل تعبير عن انسداد، وعن شعور بأن السياسة داخل سباتة لم تعد تُدار بالبرامج، بل بالشبكات والعلاقات، حيث الصوت الأعلى يعوض الحجة، والانفعال يحل محل القرار.
أمام هذا المشهد، لا يمكن إعفاء السلطة الإقليمية، في شخص عامل عمالة مقاطعات الحي الحسني، من المسؤولية، فالسؤال لم يعد: ماذا وقع؟ بل: لماذا يُترك مجلس منتخب لينزلق إلى هذا المستوى دون تدخل يُعيد الأمور إلى نصابها؟
إن حماية صورة المؤسسات، وضمان حد أدنى من الانضباط داخل المجالس المنتخبة، ليس ترفًا إداريًا، بل واجب قانوني وأخلاقي، خاصة حين يتعلق الأمر بمقاطعة تعاني أصلًا من اختلالات تنموية عميقة.
وسط هذا العبث، يبقى المواطن السباتي الخاسر الأكبر، مواطن صوت على أمل تحسين واقعه اليومي، ليجد نفسه متفرجًا على مشاهد صراخ لا تُعبد طريقًا، ولا تُصلح شبكة صرف، ولا تُخفف عن حيٍّ أنهكه التهميش.
في سباتة، لم يعد المواطن يطلب المعجزات، بل فقط مجلسًا يحترم نفسه، ويشتغل بالحد الأدنى من الجدية والمسؤولية.
ما وقع في دورة يناير ليس مجرد حادثة، بل مؤشر خطير على مسار سياسي مأزوم، فإذا لم تتم محاسبة هذا الانفلات، وتصحيح أعطاب التدبير، فإن سباتة مرشحة لمزيد من التراجع، ومزيد من فقدان الثقة في العمل الانتخابي برمته.
ففي زمن الأزمات، لا يُطلب من المنتخبين أن يصرخوا أكثر، بل أن يشتغلوا أكثر، وهو ما يبدو غائبًا تمامًا داخل مجلس مقاطعة سباتة.
تعليقات الزوار