بني ملال بين الأبيض الكريمي والواقع الرمادي أو عندما يختار الوالي بنريباك تجميل الواجهة هروبا من الأعطاب الحقيقية؟

هبة زووم – محمد خطاري
في وقتٍ كانت فيه ساكنة بني ملال تترقب قرارات جريئة تمسّ جوهر أزماتها المتراكمة، خرج المجلس الجماعي بقرار جديد يقضي بتوحيد لون واجهات البنايات داخل النفوذ الترابي للجماعة، في خطوة قُدِّمت رسميًا على أنها جزء من “تحسين المشهد الحضري” و”الارتقاء بجمالية الفضاء العمراني”.
قرار يبدو، في ظاهره، تقنيًا وجماليًا، لكنه في عمقه فجّر نقاشًا واسعًا حول ترتيب الأولويات، وجدوى القرارات الشكلية في مدينة مثقلة بالاختلالات البنيوية.
المقرر الجماعي، الذي وقّعه رئيس جماعة بني ملال، حدّد بدقة الألوان المفروضة على واجهات البنايات: الأبيض الكريمي للواجهات، الرمادي للأبواب والنوافذ، الرمادي القاتم للحواف الحديدية، والأخضر “Vert wagon” لواجهات المحلات التجارية.
توحيد صارم، بلغة الأرقام والألوان، وكأن المدينة تعاني فقط من فوضى الصباغة، لا من فوضى التخطيط، ولا من أعطاب البنية التحتية، ولا من اختناق السير، ولا من تدهور الخدمات العمومية.
الجماعة برّرت القرار برغبتها في إرساء انسجام بصري، واحترام الخصوصيات المعمارية المحلية، وتعزيز الجاذبية العمرانية والسياحية. غير أن هذا الخطاب، الذي قد يكون مقنعًا في مدن قطعت أشواطًا في معالجة أعطابها الأساسية، بدا لكثير من الملاليين منفصلًا عن واقع يومي قاسٍ، حيث لا تزال أحياء بأكملها تعاني من طرق مهترئة، وإنارة معطوبة، ومساحات خضراء غائبة، ونقص حاد في المرافق العمومية.
في الشارع الملالي، لم يُستقبل القرار بحفاوة كبيرة، بل رافقته موجة من السخرية اللاذعة. أحد الظرفاء لخّص الموقف بتعليق مقتضب لكنه دال: “العكر على الخنونة”، في إشارة إلى محاولة تجميل الواجهة في وقتٍ يحتاج فيه البيت إلى إصلاح جذري من الأساس.
تعليق آخر كان أكثر قسوة حين قال: “المندبة كبيرة والميت فار”، وهي عبارة شعبية تختزل فجوة عميقة بين حجم الانتظارات الشعبية، وضيق أفق القرارات المتخذة.
المنتقدون لا يعارضون من حيث المبدأ العناية بجمالية المدينة أو توحيد الرؤية المعمارية، بل يتساءلون عن توقيت القرار وسياقه، كيف يمكن الحديث عن هوية بصرية موحدة، في مدينة لم تُحسم بعد هويتها التنموية؟ وكيف يُطلب من المواطن الانخراط في صباغة موحدة، بينما يفتقد إلى خدمات أساسية تضمن له الحد الأدنى من جودة العيش؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن هذا القرار يأتي في مرحلة يُفترض فيها أن تشهد بني ملال دينامية إصلاحية حقيقية، خاصة في ظل الوعود التي رافقت تعيين الوالي محمد بنريباك، والتي رفعت سقف الأمل في معالجة ملفات عالقة منذ أكثر من عقدين.
غير أن ما تحقق على أرض الواقع، في نظر كثيرين، لا يزال دون مستوى التطلعات، بل إن التركيز على القرارات التجميلية يُقرأ كنوع من الهروب إلى الأمام، أو محاولة لصناعة “إنجاز بصري” سريع في غياب إصلاحات عميقة ومؤلمة.
بني ملال لا تحتاج فقط إلى لون موحد، بل إلى رؤية موحدة، تُعالج أصل الداء قبل تلميع المظهر، فالصباغة، مهما بلغت دقتها، لا تخفي تشققات الواقع، ولا تُرمم صدوع التنمية.
والمدينة، كما يقول سكانها، لا تُقاس بجمال واجهاتها فقط، بل بكرامة عيش أهلها، وفعالية مؤسساتها، وقدرتها على الخروج من عنق الزجاجة الذي لازَمَها طويلاً.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد