الفقيه بنصالح: حين يتحول العامل القرناشي من قاطرة للتنمية إلى عائق بنيوي

هبة زووم – الفقيه بنصالح
الحديث عن واقع اجتماعي وتنموي معقّد، كما هو الحال بإقليم الفقيه بنصالح في ظل وجود العامل القرناشي، يفرض قدرًا كبيرًا من الدقة والمسؤولية.
لا لأن الوضع قابل للتجميل أو التبرير، بل لأن أي قراءة سطحية قد تظلم الفئات الهشة الحقيقية، تلك التي طحنها الفقر، لكنها لم تفقد بوصلتها الأخلاقية ولا إحساسها بالانتماء.
غير أن الإشكال المطروح اليوم لا يرتبط بالفقر في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بعقليات تشكّلت داخل الهشاشة، وتعايشت معها، ثم أعادت إنتاجها عبر سلوك يومي غير مفهوم، وسياسات غير رسمية تجد في الضعف الاجتماعي تربة خصبة للاستمرار.
وهنا، يبرز دور السلطة الترابية، ليس فقط كجهاز إداري، بل كفاعل مفترض في كسر هذه الحلقة، لا في التعايش معها أو إدارتها بعقل بارد.
خلال السنوات الأخيرة، ومع التحولات العمرانية الكبرى التي شهدتها بعض المدن المغربية، في سياق استعدادات كبرى من قبيل المونديال، ساد منطق تقني صرف في التعاطي مع أحزمة البؤس: نقل، ترحيل، إعادة توطين، وكأن الأمر يتعلق بقطع شطرنج تُحرّك لإخلاء المشهد، لا ببشر يحملون تاريخًا نفسيًا واجتماعيًا مثقلًا بالهشاشة والتهميش.
هذا المنطق، وإن كان يحمل في ظاهره بعدًا تنظيميًا، إلا أنه أغفل في العمق البعد الإنساني والسلوكي، فتم نقل الأجساد، بينما بقيت العقليات في مكانها، محمّلة بسنوات من الإقصاء، والضغط، وانعدام الثقة في المؤسسات، والنتيجة: إعادة إنتاج نفس الاختلالات داخل فضاءات جديدة، دون أي أثر تنموي حقيقي.
في هذا السياق، يُطرح سؤال جوهري حول دور العامل القرناشي في قيادة قاطرة التنمية بالإقليم، فبدل أن يكون مُحرّكًا لرؤية شمولية تدمج الاجتماعي بالنفسي، والتنموي بالسلوكي، يبدو أن الإقليم يسير بلا بوصلة واضحة، في ظل قرارات جزئية، وردود فعل ظرفية، وعجز عن تشخيص جذور الأزمة بجرأة ومسؤولية.
إن استمرار هذا النهج يُحوّل العامل، موضوعيًا، من عنصر قيادة إلى جزء من المشكل البنيوي، فالتنمية لا تُقاس بالإسفلت والإسمنت فقط، بل بقدرة السياسات العمومية على تغيير السلوك، وإعادة بناء الثقة، وتجفيف منابع الهشاشة الفكرية والاجتماعية، لا مجرد نقلها من حي إلى آخر.
ما لم يتم الاعتراف بهذا التمييز الجوهري بين الفقر كحالة اجتماعية، والهشاشة كمنظومة سلوك وعقليات، وما لم تُوجَّه السياسات العمومية نحو معالجة الإنسان بقدر معالجة المجال، فإن التناقضات الاجتماعية والسياسية ستستمر، وستظل تؤثر سلبًا على القرارات الكبرى، وعلى مستقبل الأقاليم، بل وعلى مصير البلاد ككل.
الفقيه بنصالح اليوم لا تحتاج إلى تزويق الخطاب، ولا إلى شيطنة المجتمع، بل إلى شجاعة في التشخيص، وعدالة في الفهم، وجرأة حقيقية في المعالجة، وما دون ذلك، ليس سوى تأجيل لأزمة تتعمق بصمت.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد