هبة زووم – الرباط
صادق مجلس النواب مؤخراً على مشروع القانون رقم 71.24، المتعلق بتغيير وتتميم مدونة التجارة، وسط توقعات كبيرة بأن يعزز الشفافية ويضع أسس العدالة الوقائية بين التجار.
غير أن قراءة نقدية متأنية تكشف أن ما يعده القانون “تقدماً إصلاحياً” قد يواجه عدة عقبات، وقد لا يحقق أهدافه المرجوة إلا إذا تم تفعيله بصرامة ومراقبة حقيقية.
الشفافية بين الورق والتطبيق
المشروع يركز على تعزيز دور بنك المغرب في رصد عوارض الأداء، وإتاحة هذه المعلومات للمتعاملين. من الناحية النظرية، هذه الخطوة جيدة، إذ تمكّن التجار من معرفة وضعية شركائهم الماليّة قبل الدخول في أي التزامات.
لكن النقد يبرز هنا: هل سيتوفر بنك المغرب على الموارد الكافية لضمان تحديث قاعدة البيانات بشكل دقيق وفوري؟ وهل ستكون هناك آليات للتأكد من صحة المعلومات المبلغ عنها، ومنع التلاعب أو التأخير؟
التاريخ التجاري المغربي عرف عدة إخفاقات في تطبيق الأنظمة الرقابية بسبب قصور البنية المؤسساتية، ما قد يحول هذه الخطوة النظرية إلى مجرد إطار على الورق دون فعالية حقيقية.
تقليص النقدية والتحديات العملية
توجه القانون نحو استبدال الكاش بالأوراق التجارية والوسائل الإلكترونية يهدف لمحاصرة غسل الأموال والتهرب الضريبي، لكن التطبيق الواقعي لهذا المبدأ يثير تساؤلات حقيقية.
المغرب، رغم التقدم في الشمول المالي، لا يزال يعاني من اعتماد كبير على الكاش في القطاعات الصغيرة والمتوسطة، خاصة في المدن والأقاليم الداخلية.
وفرض التحول الفوري قد يُثقل كاهل التجار الصغار، ويخلق فجوة بين الإجراءات القانونية المتقدمة وقدرة السوق الفعلية على الالتزام بها.
الكمبيالات بين الحماية والرقابة المشددة
إعادة تنظيم الكمبيالة بوضع قواعد صارمة على البنوك هي خطوة تحمي المستفيدين وتعيد الثقة، لكن هناك احتمال أن تصبح وسيلة مزيد من التحكم في المتعاملين الصغار.
إذ قد تجد الأبناك، بموجب القانون، سبباً لرفض إصدار الدفاتر أو استرجاعها، ما قد يضع التجار أمام معضلة جديدة، خاصة من يعتمدون على الكمبيالة كأداة تمويلية أساسية.
وفي هذا السياق، فالقانون يعطي صلاحيات واسعة للبنوك، ما يستدعي وضع ضمانات إضافية لمنع استغلال السلطة المصرفية ضد التجار الضعفاء.
العدالة الوقائية بين الطموح والواقع
الرؤية الكبرى للقانون تقوم على مفهوم العدالة الوقائية، أي تفادي النزاعات قبل وقوعها. لكن منطقياً، مجرد توفير المعلومات القانونية والرقابية لا يكفي، إذا لم يصاحبها إطار قضائي سريع وفعال، وآليات متابعة صارمة.
فغياب آليات التطبيق العملي أو التأخر في اتخاذ العقوبات سيحول القانون إلى شعار فارغ، يضاف إلى سلسلة من القوانين التي لم تُحدث تغييرات ملموسة على أرض الواقع.
خلاصة
مشروع القانون 71.24 خطوة إصلاحية مهمة على الورق، لكنه يواجه تحديات كبيرة في التنفيذ، خاصة فيما يتعلق بالموارد المؤسسية، وكفاءة الرقابة، وقدرة السوق على التكيف مع التحولات.
ونجاحه الحقيقي لن يُقاس بالتصويت البرلماني، بل بمدى فعاليته على الأرض، وقدرته على حماية حقوق التجار والمستهلكين، دون خلق عبء إضافي على الفاعلين الاقتصاديين الصغار.
تعليقات الزوار