هبة زووم – أحمد الفيلالي
في حيّ النور بمقاطعة سيدي عثمان، لا تُرفع رايات الخطر، ولا تُعلّق إشارات التحذير، لكن الموت يعمل بصمت، ساعة بعد أخرى، داخل معامل سرية تحوّلت إلى مقابر مؤجلة لنساء لا يملكن سوى أجسادهن كوسيلة للبقاء.
هنا، في قلب الدار البيضاء، المدينة التي تُسوَّق كقاطرة اقتصادية، تُدار صناعة الظل بأبشع أشكالها. نساء يعملن في ظروف لا إنسانية، خارج أي إطار قانوني، بلا عقود، بلا تأمين، وبلا أدنى شروط السلامة. أجساد منهكة تُستعمل حتى التآكل، ثم تُرمى خارج الحسابات.
داخل هذه المعامل، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بالدقائق. كل حركة محسوبة، كل تأخر يُخصم، وكل خطأ قد يكون ثمنه إصابة دائمة أو موت صامت. آلات صاخبة، أسلاك مكشوفة، تهوية معدومة، وبنايات آيلة للسقوط، فكل عنصر من عناصر الخطر حاضر، والدولة غائبة.
الخوف هو القانون غير المكتوب في هذه الفضاءات، خوف من حريق، خوف من تماس كهربائي، خوف من انهيار مفاجئ، وخوف أكبر من المداهمة، لأن “العمل السري” ليس اختيارًا، بل نتيجة مباشرة للفقر والإقصاء.
الأجور الهزيلة لا تكفي لسدّ الرمق، ولا لشراء دفء شتاء قاسٍ، ولا لعلاج يد جُرحت أو ظهرٍ انحنى مبكرًا. كل يوم يمرّ يشبه الذي قبله، نسخة متكررة من الإذلال والاستنزاف، حيث يتحول الانكسار إلى نمط عيش، لا إلى حالة طارئة.
الظلام في معامل سيدي عثمان ليس فقط غياب الضوء، بل غياب المراقبة، غياب التفتيش، وغياب المحاسبة. ظلام تتحمّل مسؤوليته جهات متعددة: مشغّلون يكدّسون الأرباح، وسلطات تغضّ الطرف، ومنتخبون يمرّون دون أن يروا.
ورغم كل هذا، تظل نساء هذه المعامل متشبثات بأمل هشّ، أمل أن يُفتح ملف، أن تُسمع شهادة، أن تتحول أجسادهن من أرقام صامتة إلى قضية رأي عام. لكن الأمل، في هذه الأمكنة، هشّ وسريع الانكسار، يشبه الضوء الذي يتسلل من شقوق الجدران قبل أن يختفي.
إن ما يحدث في معامل سيدي عثمان السرية ليس مجرد خرق لقانون الشغل، بل جريمة اجتماعية كاملة الأركان، وقنبلة موقوتة تهدد الأرواح والسلم الاجتماعي معًا.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من يحمي نساء الظل؟ ومن سيُسائل هذا الصمت القاتل؟
تعليقات الزوار