هبة زووم – الجديدة
في زمن تآكل فيه الصدق، وبهتت فيه المعاني الكبرى للفعل العمومي، لم تعد معاناة المدن تُقاس بعمق أزماتها، بل بقدرتها على إثارة الضجيج.
الجديدة، اليوم، لا تعاني فقط من اختلالات بنيوية في التسيير، بل من مأزق أخطر: مدينة تستغيث بصوت خافت، في مقابل صمت إداري مريب، وانتهازية سياسية تتغذى من وجعها.
الجديدة لا تصرخ عبثًا، فمن يسير في شوارعها، يلمس اختناقًا عمرانيًا، تدهورًا في البنية التحتية، ارتباكًا في تدبير الفضاء العام، وغيابًا شبه تام لرؤية حضرية منسجمة.
مؤشرات لا تحتاج إلى عدسة مكبّرة، ولا إلى تقارير تقنية، بل إلى مسؤول ينزل من برجه، ويصغي لنبض المدينة، غير أن المشهد يوحي بأن عامل الإقليم، دحا، اختار موقع المتفرج، أو لعلّه آثر النوم الإداري العميق، حيث لا تصل الاستغاثات، ولا تُقلق البلاغات الروتينية صفو التدبير.
غير أن الصمت الإداري، على خطورته، ليس وحده ما يهدد المدينة، فالأخطر هو ما آلت إليه الجديدة من تحويل فجّ إلى سلعة سياسية.
مدينة تُستعمل كورقة عند الحاجة، وتُستدعى في مواسم الغضب والانتخابات، ثم تُرمى جانبًا بعد استهلاكها خطابيًا، خطابات كثيرة، أفعال قليلة، ووعود تتكرر بلا أثر.
لقد برز في المشهد فاعلون جدد، لا ينتمون إلى همّ المدينة بقدر ما ينتمون إلى منطق الاستثمار في مآسيها، متاجرون بالألم العام، يحوّلون أنين الساكنة إلى رأسمال رمزي، يُراكم في المنشورات والتصريحات، ويُصرف عند الحاجة لتعزيز الحضور أو رفع منسوب “التفاعل”، فهؤلاء لا يرون في الجديدة سوى “مغارة علي بابا”، كلٌّ ينهل منها بقدر ما يستطيع، باسم الدفاع عنها.
وإذا كان هذا السلوك متوقعًا من الشعبوية، فإن الصادم حقًا هو صمت النخب، في لحظة يتكاثف فيها الضجيج، وتُختطف العقول بخطاب سطحي، يغيب الصوت العاقل، النقدي، القادر على التفكيك والتوجيه.
فأين المثقف الذي يُنير ولا يُجامل؟ وأين السياسي صاحب الرؤية، لا صاحب الحسابات؟ ولماذا آثرت النخب الانسحاب في لحظة تاريخية تحتاج فيها المدينة إلى عقل جماعي يقود لا يصفّق؟
لم يعد صمت النخب حدثًا عابرًا، بل تحول إلى ظاهرة بنيوية. ومع كل تراجع للكلمة الرصينة، يتقدم خطاب بديل، شعبوي، انفعالي، يبيع الوهم بدل الحل، ويُفرغ النقاش العمومي من مضمونه، وهكذا، تُترك المدينة عارية أمام العبث، بلا حراس للمعنى ولا مدافعين عن المصلحة العامة.
ثم إن المفارقة المؤلمة تتجلى في التمثيلية السياسية، فإقليم بحجم الجديدة، بثقله التاريخي والاقتصادي والبحري والفلاحي، يُمثَّل برلمانيًا بعدد محدود من النواب، يُفترض أنهم صوت الساكنة وجسرها نحو القرار الوطني، غير أن الحضور باهت، والأسئلة مؤجلة، والملفات الثقيلة لا تجد طريقها إلى المساءلة الجدية، وكأن المدينة خارج حسابات الأولويات.
الجديدة لا تحتاج إلى مزيد من الخطب، ولا إلى صراخ موسمي، بل إلى قرار شجاع، ورؤية واضحة، ومحاسبة فعلية، تحتاج إلى سلطة محلية حاضرة، لا مُسيَّرة بالتقارير الجافة، وإلى منتخبين يدركون أن السياسة خدمة لا غنيمة، وإلى نخب تعود إلى واجبها التاريخي قبل أن يُفرغ المجال العام من أي معنى.
ورغم قتامة المشهد، فإن الأمل لم يُعدم، فالتاريخ يعلّمنا أن الأزمات الكبرى، حين تبلغ ذروتها، تُنجب أصواتًا جديدة، قد لا تنتمي إلى النخب التقليدية، لكنها تمتلك الجرأة، والنزاهة، والقدرة على استعادة المعنى، أصوات تؤمن بأن المدن لا تُدار بالصمت، ولا تُنقذ بالشعارات، بل بالفعل المسؤول، والمساءلة، وربط السلطة بالمحاسبة.
فالجديدة ليست سلعة، بل أمانة، والمدن، حين تُهمل طويلًا، لا تموت فجأة، بل تتآكل بصمت.
تعليقات الزوار