ترانسبرانسي المغرب: الفساد يتجذر والاختيارات الحكومية تزيده تعقيداً

هبة زووم – الرباط
مرة أخرى، يكشف مؤشر إدراك الرشوة الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لسنة 2025 حقيقة واقع لا يمكن تلميعه بالأرقام المعزولة.
فحصول المغرب على 39 نقطة من أصل 100 واحتلاله الرتبة 91 عالمياً، وإن بدا شكلياً “تقدماً” مقارنة بسنة 2024، فإنه في الجوهر لا يعكس اختراقاً حقيقياً في مسار محاربة الفساد، بقدر ما يؤكد استمرار البلاد في دائرة الركود والاختلال البنيوي.
الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة (ترانسبرانسي المغرب) وضعت الإصبع على الجرح عندما أكدت أن المغرب ظل، منذ أكثر من عقد، يراوح مكانه بين الرتب المتأخرة، دون أن ينجح في إحداث قطيعة فعلية مع منظومة الريع والرشوة النسقية.
فبعد بصيص أمل عابر سنة 2018، عاد المنحنى إلى الهبوط، مسجلاً تراجعاً بأربع نقاط وثماني عشرة رتبة في ظرف سبع سنوات، وهو تراجع لا يمكن عزله عن الاختيارات السياسية والتشريعية التي رافقت المرحلة.
الأخطر في هذا المسار، كما تشير ترانسبراني المغرب، هو أن الحكومة الحالية لم تكتفِ بالعجز عن مكافحة الفساد، بل ساهمت، من خلال قرارات وتشريعات مثيرة للجدل، في تقويض ما تبقى من آليات محاصرته.
فسحب مشاريع قوانين محورية، مثل تجريم الإثراء غير المشروع، وتمرير تعديلات في قانون المسطرة الجنائية تُقيد دور المجتمع المدني في التبليغ عن جرائم المال العام، يشكلان رسائل سياسية واضحة مفادها أن محاربة الفساد لم تعد أولوية فعلية.
هذا التراجع التشريعي يتزامن مع إضعاف منظومة الشفافية ككل، من خلال تجميد قوانين تضارب المصالح، وحماية المبلغين، والحق في الحصول على المعلومة، ما يحوّل الخطاب الرسمي حول النزاهة إلى مجرد شعارات بلا سند قانوني أو مؤسساتي.
وليس من قبيل الصدفة أن يتقاطع هذا الوضع مع تدهور ترتيب المغرب في مؤشرات حرية التعبير، في ظل قوانين تنظيمية اعتبرتها هيئات مهنية وحقوقية تراجعاً عن مكتسبات أساسية.
إن ما ترسمه هذه المؤشرات مجتمعة ليس مجرد وضع عابر، بل ملامح نموذج تنموي مأزوم، تُدار فيه الرشوة كآلية غير معلنة لتدبير المصالح، ويُنظر فيه إلى المساءلة والشفافية باعتبارهما عبئاً لا ضرورة.
واقع يهدد الثقة في المؤسسات، تؤكد الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة، ويعمق الفوارق الاجتماعية، ويجعل الحديث عن الإصلاح محكوماً بدوامة التأجيل والالتفاف.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد