الكارثة أكبر من البيانات وشفشاون تختبر جدية الفعل العمومي

هبة زووم – شفشاون
كشفت الفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة من الشمال الغربي، وعلى رأسها إقليم شفشاون، مرة أخرى هشاشة البنية التحتية، وضيق هامش التدخل المحلي، وحدود الخطاب السياسي في مواجهة الكوارث الطبيعية.
فبين انجرافات التربة، وانهيار المنازل والمساجد، وانقطاع الطرق والماء والكهرباء، وجد آلاف المواطنين أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الخطر، في منطقة تُعرف أصلًا بوعورة تضاريسها وصعوبة الولوج إليها.
وفي هذا السياق، عقدت الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بشفشاون اجتماعًا استثنائيًا لمتابعة الوضع، انتهى ببيان طويل يفيض بلغة التضامن، ويعدد الخسائر، ويشيد بتدخلات لجنة اليقظة، قبل أن يوجه دعوات للحكومة لتوفير الاعتمادات المالية وتفعيل صندوق الكوارث.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي البيانات، مهما كانت نواياها حسنة، لمواجهة كارثة بهذا الحجم؟
لا أحد يجادل في جسامة الأضرار التي لحقت بالساكنة، ولا في حجم المعاناة الإنسانية التي تعيشها عشرات الدواوير المعزولة، حيث أُجبرت أسر كاملة على مغادرة منازلها خوفًا من الانهيار، وتضررت ماشيتها التي تمثل مورد العيش الوحيد، فيما أتلفت المؤونة الغذائية، وتعقدت عملية إيصال المواد الأساسية في غياب طرق سالكة.
كما لا يمكن إنكار المجهودات التي تبذلها لجنة اليقظة الإقليمية والسلطات المحلية ومصالح الوقاية المدنية والدرك والأمن والهلال الأحمر. لكن الواقع الميداني يؤكد أن حجم الكارثة يفوق بكثير قدرات التدخل المحلي، وأن المقاربة الحالية ما تزال في حدود تدبير الاستعجال، دون أفق واضح لإعادة الإعمار أو تقليص المخاطر مستقبلًا.
الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة آثار الفيضانات، بل في تراكم سنوات من ضعف التخطيط، وهشاشة البنيات، وغياب سياسات وقائية حقيقية في مناطق تعرف تاريخيًا بتعرضها للفيضانات والانجرافات، فكم من مرة أعيد فتح المسالك بعد الكوارث، دون معالجة جذرية؟ وكم من منزل أُعيد بناؤه في نفس المناطق المهددة؟
بيان الكتابة الإقليمية، رغم ما يحمله من تعاطف ودعوات مشروعة، يعكس بدوره محدودية الفعل السياسي في مثل هذه اللحظات الحرجة. فالدعوة إلى تفعيل صندوق الكوارث ورصد اعتمادات مالية ليست جديدة، لكنها تتكرر مع كل مأساة، دون أن يلمس المواطن نتائج ملموسة بالسرعة والنجاعة المطلوبتين.
أما الإشادة بروح التضامن الشعبي، يضيف البلاغ، فهي وإن كانت مستحقة، لا ينبغي أن تتحول إلى تعويض غير معلن عن قصور السياسات العمومية، فالتضامن قيمة مجتمعية نبيلة، لكنه لا يمكن أن يحل محل الدولة في التخطيط، والوقاية، وإعادة الإعمار.
اليوم، تحتاج شفشاون أكثر من أي وقت مضى إلى ما هو أبعد من بيانات التضامن: تحتاج إلى قرارات مركزية عاجلة، وتمويل استثنائي، ورؤية واضحة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وسياسة وقائية تحمي الساكنة قبل أن تجرفها السيول.
فالطبيعة لا تنتظر البلاغات، والكوارث لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالفعل الملموس، والمحاسبة، والاستثمار الحقيقي في الإنسان والمجال.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد