الرشيدية: المنازل الآيلة للسقوط خطر صامت يهدد الأرواح ويشوّه صورة المدينة

عبد الفتاح مصطفى – الرشيدية
تُعدّ ظاهرة المنازل والدور الآيلة للسقوط من أخطر الإشكالات العمرانية التي تعاني منها عدة مدن مغربية، خاصة تلك التي تضم أحياء قديمة لم تستفد من برامج ترميم أو إعادة تأهيل منذ عقود، وقد تحولت هذه المباني، بفعل الإهمال وتهالك البنية، إلى ما يشبه “قنابل موقوتة” تهدد حياة الساكنة والمارة على حد سواء.
وفي مدينة الرشيدية، عاصمة جهة درعة تافيلالت، يبرز هذا الخطر بشكل مقلق. فبمجرد التجول في عدد من أحيائها، خصوصًا وسط المدينة الذي يعود تاريخ نشأته إلى فترة الحماية الفرنسية، تصطدم العين بمنازل منهارة أو متشققة، غارقة في الأتربة والأوحال، نتيجة الأمطار أو بسبب اعتماد مواد بناء تقليدية كالتراب والتبن، دون أي صيانة تُذكر.
عدد كبير من هذه الدور بات مهجورًا بعد رحيل أصحابها أو تركها في وضعية قانونية معلقة بسبب مشاكل الإرث، لتتحول إلى أطلال مهملة، ناقصة العناية، ومعرّضة للانهيار في أية لحظة.
والمفارقة الصارخة أن هذه المشاهد تتجاور مع بنايات حديثة من أربعة طوابق، ما يخلق تناقضًا عمرانيًا يسيء لجمالية المدينة ويطرح تساؤلات حول غياب رؤية متكاملة للتأهيل الحضري.
ومع توالي الانهيارات، غالبًا ما يُترك الركام في مكانه، متمدّدًا نحو الطرقات، معيقًا حركة السير ومشوّهًا للفضاء العام، في وقت يُفترض فيه أن تراهن المدينة على الجاذبية السياحية وتحسين جودة العيش.
أمام هذا الوضع المتفاقم، يرى متتبعون للشأن المحلي أن المسؤولية تتحملها بالدرجة الأولى المجالس المنتخبة والسلطات المحلية، رغم بعض التدخلات الظرفية لإفراغ عدد من المباني المهددة، كما وقع مؤخرًا ببعض العمارات المجاورة للمساجد أو المؤسسات الفندقية، غير أن هذه التدخلات، وإن خففت الخطر مؤقتًا، لا تشكل حلاً جذريًا، إذ يظل التهديد قائمًا، خاصة بالنسبة للمارة.
وليس هذا التخوف نظريًا، فقد شهدت مدن مغربية عدة، خلال السنوات الماضية، حوادث مأساوية خلفت قتلى وجرحى بسبب انهيار منازل آيلة للسقوط.
ولم تكن الرشيدية استثناءً، إذ لقي أحد المشردين مصرعه الشهر الماضي بعد انهيار منزل مهجور بزنقة مولاي يوسف، في حادث أعاد الملف إلى الواجهة.
هذا الواقع يضع المسؤولين أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما التدخل الفوري لإزالة الأنقاض وتنقية الفضاءات المتضررة وإعادة الاعتبار للشوارع، أو الاستمرار في سياسة الانتظار التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانهيارات وتراكم الأوحال، بما يفاقم معاناة السكان ويهدد سلامتهم.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال بإلحاح حول الدور الحقيقي للوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط: ما هي البرامج العملية التي تم تنزيلها بمدينة الرشيدية لمواكبة السكان في ترميم منازلهم؟ ولماذا يطغى منطق الإفراغ والتهجير على حساب حلول التأهيل والدعم؟
إن إشكالية الأحياء الهشة والمباني الآيلة للسقوط بالرشيدية لم تعد مجرد ملف تقني أو عمراني، بل أصبحت قضية سلامة عمومية وكرامة إنسانية، تستوجب إرادة سياسية حقيقية، وتنسيقًا فعالًا بين مختلف المتدخلين، قبل أن يتحول الخطر الصامت إلى فاجعة جديدة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد