اليحياوي: “لكلٍّ رمضانه” أو حين تكشف فرنسا عُري تسييس الدين

هبة زووم – الرباط
لم تمرّ واقعة اختلاف إعلان أول أيام شهر رمضان في فرنسا مرور الكرام، ليس فقط لأنها مسّت شعيرة دينية جامعة، بل لأنها كشفت مجددًا هشاشة العلاقة بين الدين والسياسة داخل الفضاء الأوروبي، ووضعت الجالية المسلمة في موقف محرج أمام ذاتها وأمام المجتمع الذي تعيش داخله.
ففي مشهد عبثي يعكس حجم الارتباك، أعلن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الذي يترأسه المغربي محمد موساوي، أن يوم الخميس هو أول أيام شهر رمضان، في حين خرج جامع باريس الكبير، برئاسة الجزائري شمس الدين حفيظ، ليؤكد أن رمضان يحلّ يوم الأربعاء، اختلاف في التوقيت، لكنه في الجوهر اختلاف في المرجعيات والرهانات.
وفي تعليقه على الواقعة، كتب الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تدوينة لاذعة، اختزلت جوهر الإشكال دون مواربة: “للمسألة خلفية سياسية دون شك، لكن حشر جالية تعيش مصاعب ومصائب أخرى في أمر كهذا، يبعث على الحزن ويحوّلنا إلى أضحوكة أمام الغريب”.
كلام اليحياوي لا يذهب إلى التشكيك في الاجتهاد الديني، بل يضع الإصبع على الجرح الحقيقي: حين تتحول الشعائر إلى أدوات نفوذ، تُدفع الجاليات الهشة ثمن صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، جالية تعاني أصلًا من التهميش، والإقصاء، وصعود اليمين المتطرف، تجد نفسها فجأة في قلب “فتنة رمضانية” مصطنعة.
ويذهب اليحياوي أبعد من توصيف الحدث، ليؤكد حقيقة صادمة لكنها واقعية: السياسة، لا الفقه، هي من تحرك الدين في كثير من السياقات المعاصرة، وهي من تعبث بنصوصه وتوظف رمزيته لخدمة أجندات سلطوية أو إيديولوجية.
وهي حقيقة – كما يقول – لا ينكرها إلا من “يدور في فلك الحاكم”، أو من اختار العمى الطوعي، فالدين، حين يُختزل في مؤسسات متنازعة الولاءات، يفقد بعده الجامع، ويتحول من عنصر وحدة إلى سبب انقسام، ومن طمأنينة روحية إلى مادة للسخرية العامة.
المفارقة الكبرى، كما يطرحها اليحياوي بذكاء، أن كثيرين يتفقون مع ضرورة “تحرير الدين من التوظيف السياسي”، لكنهم يثورون فقط ضد التسمية.
فمجرد إطلاق مصطلح “العلمانية” كعنوان لهذا الفصل الضروري، كفيل – في نظر البعض – بإخراج صاحبه من الملة، واتهامه بالكفر والطعن في “إجماع العلماء”، رغم أن الجوهر محل توافق غير معلن.
أمام هذا التناقض، لا تجد المؤسسات الدينية الرسمية حرجًا في تبني الحل الأسهل: “لكلٍّ رمضانه، حتى لا تكون فتنة”.
فتوى “بسيطة وناجعة”، كما يسخر اليحياوي، لكنها في العمق إعلان فشل جماعي في بناء مرجعية دينية مستقلة، موحّدة، وعابرة للحسابات السياسية، حلّ يجنّب الصدام، لكنه يكرّس العبث، ويُطبع الجالية مع الانقسام كأمر عادي.
ما حدث في فرنسا ليس خلافًا فلكيًا ولا اجتهادًا فقهيًا بريئًا، بل عرض من أعراض أزمة أعمق: أزمة تديّن مُسيّس، ومؤسسات دينية رهينة للتوازنات السياسية، وجاليات تُستعمل كوقود رمزي في صراعات النفوذ.
والسؤال الحقيقي لم يعد: متى يبدأ رمضان؟ بل: متى نملك الشجاعة لفصل المقدّس عن الحسابات السياسية، حتى لا يبقى “لكلٍّ رمضانه”، ولكل مؤسسة أجندتها؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد