بين الدفاع عن وهبي وإجهاض الوساطة: تدوينة لبنسعيد تُفجر أزمة صامتة داخل الائتلاف الحكومي

هبة زووم – الرباط
في تدوينة قصيرة لكنها حاملة لرسائل ثقيلة، نشر وزير الشباب والثقافة والاتصال، محمد المهدي بنسعيد، على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي مقتطفا من بلاغ حزب الأصالة والمعاصرة، دفاعاً صريحاً عن وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في ملف قانون المحاماة الذي أدخل البلاد في أزمة مؤسساتية غير مسبوقة، بعد مقاطعة الهيئات الممثلة للمحامين لجلسات المحاكم لأكثر من أسبوعين.
ويقول الحزب في بلاغه: “وفيما يتعلق بقانون المحاماة، فإن المكتب السياسي يحيي عالياً روح الحوار والتجاوب الفوري للسيد وزير العدل مع الوساطة البرلمانية الهامة التي أجهضت، كما يعتز في هذا السياق بالإصلاحات العميقة التي عرفتها وزارة العدل على جميع المستويات، والتي تجاوزت سقف الطموح المحدد في البرنامج الحكومي، وذلك بفضل الحوار البناء مع المعنيين”.
هذه الكلمات، رغم طابعها الدبلوماسي الظاهري، تحمل في طياتها أسئلة محرجة قد تُفجر أزمة صامتة داخل الائتلاف الحكومي، خاصة في سنة انتخابية بامتياز، حيث تُصبح كل كلمة سياسية “رصاصة” في معركة النفوذ والتأثير.
أول ما يلفت الانتباه في ما نشره بنسعيد هو عبارة “الوساطة البرلمانية الهامة التي أجهضت”، هذه العبارة تطرح سؤالاً وجودياً: من المسؤول عن “إجهاض” هذه الوساطة؟ فإذا كانت الوساطة البرلمانية قد “أُجهضت”، فهذا يعني أن هناك أطرافاً تعرقلت بسببها، أو رفضت نتائجها، أو عملت على إفشالها.
ومن يتابع أزمة قانون المحاماة يعرف أن الأطراف الرئيسية في الملف هم وزارة العدل صاحبة المشروع والمُتهَمة بـ”التعنت” من قبل نقابة المحامين، والبرلمان الذي حاول لعب دور الوسيط عبر تحرك للمعارضة بقيادة بوانو ولقاءاته، ورئاسة الحكومة التي تدخلت في وقت متأخر بعد تصاعد الأزمة، وهيئات المحامين التي قاطعت المحاكم احتجاجاً على المشروع.
فحين يدافع بنسعيد ومن وراءه حزب الأصالة والمعاصرة عن وهبي ويشيد بـ”تجاوبه الفوري” مع الوساطة “المُجهضة”، فإنه يضع بشكل غير مباشر مسؤولية الإجهاض على أطراف أخرى، والسؤال: هل يُلمّح بنسعيد إلى أن رئاسة الحكومة أو بعض البرلمانيين هم من عرقلوا الوساطة؟ أم أن هناك أطرافاً خارجية لعبت دوراً في تعقيد الملف؟
ولا يُخفي بنسعيد في الرسالة التي حاول تمريرها من خلال إعادة نشر مقتطف من بلاغ الحزب دفاعه الكامل عن وزير العدل، حيث يشيد بـ”الإصلاحات العميقة” التي عرفتها وزارة العدل، والتي “تجاوزت سقف الطموح المحدد في البرنامج الحكومي”.
هذه الكلمات ليست مجرد “مجاملة وزارية”، بل قد تُقرأ كرسالة طمأنة لحزب الأصالة والمعاصرة بأن بنسعيد يقف إلى جانبه في الملفات الحساسة، أو كإعلان تحالف انتخابي مبكر بين الحزبين في مواجهة استحقاقات 2026، أو كمحاولة لاحتواء الغضب داخل الأغلبية الحكومية بعد الأزمة التي هزت صورة الائتلاف.
لكن هذا الدفاع يطرح سؤالاً آخر: لماذا يدافع بنسعيد ومن وراءه حزب “الجرار” عن وهبي تحديداً في هذا التوقيت؟ هل لأن أزمة قانون المحاماة لم تُحل بعد؟ أم لأن هناك ملفات أخرى على الأبواب تحتاج إلى “جبهة وزارية موحدة”؟
ومن المفارقات اللافتة في هذا الملف، أن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، دخل على خط أزمة قانون المحاماة بعد أن قاطعت الهيئات الممثلة للمحامين جلسات المحاكم لأكثر من أسبوعين، وهو ما أدخل البلاد في أزمة مؤسساتية غير مسبوقة.
هذا التدخل المتأخر يطرح تساؤلات حول: لماذا لم تتدخل رئاسة الحكومة منذ بداية الأزمة لمنع تصعيدها؟ وهل كان التدخل يهدف حقاً إلى “إنقاذ الوساطة”، أم إلى “احتواء الغضب الشعبي” قبل فوات الأوان؟ وماذا يعني أن يتدخل رئيس الحكومة بعد “إجهاض” الوساطة البرلمانية، حسب تعبير بنسعيد؟ هذه الأسئلة لا تُحرج أخنوش فقط، بل تُضعف أيضاً صورة الحكومة ككل، التي بدت وكأنها “تدار بأزمة” بدلاً من أن “تدير الأزمة”.
في سنة انتخابية بامتياز، تُصبح كل أزمة حكومية “فرصة” لإعادة ترتيب الأوراق، فأزمة قانون المحاماة، التي بدت في ظاهرها “خلافاً مهنياً” بين وزارة العدل وهيئات المحامين، كشفت في باطنها عن توترات خفية داخل الأغلبية الحكومية حول توزيع الأدوار والنفوذ، وصراع سردي بين من يريد “إصلاحاً سريعاً” ومن يفضل “حواراً طويل الأمد”، واستباق انتخابي حيث يحاول كل طرف تعزيز موقعه قبل موعد الاستحقاقات.
فرسالة بنسعيد، رغم قصرها، قد تكون “إشارة استباقية” تحدد موقفه وموقف حزبه من الملفات الحساسة القادمة، خاصة تلك المتعلقة بالإصلاحات الكبرى التي تمس فئات مهنية مؤثرة مثل المحامين والقضاة والمهنيين الحرين.
في النهاية، لم تكن تدوينة محمد المهدي بنسعيد مجرد “نشرة إخبارية” على فيسبوك، بل كانت رسالة سياسية مُشفَّرة تحمل في طياتها دفاعاً عن حليف، وانتقاداً غير مباشر لأطراف أخرى، واستباقاً لسيناريوهات انتخابية قادمة.
فإذا كانت الأزمة الحقيقية في قانون المحاماة قد “حُلّت” شكلياً، فإن الأسئلة التي أثارتها تدوينة بنسعيد لا تزال معلقة: من يملك حق وصف الوساطة بـ”المُجهضة”؟ وهل الدفاع عن وهبي يعني الموافقة على كل قرارات وزارة العدل؟ وما مستقبل التحالف الحكومي في ظل هذه “الرسائل المشفرة” بين الوزراء؟
في السياسة، لا توجد تدوينة بريئة، وكل كلمة تُكتب في سنة انتخابية قد تكون بداية لسردية جديدة، فإما أن تتحول هذه “الرسائل” إلى حوار صريح يُعيد الثقة داخل الحكومة، وإما أن تبقى “همسات” تُعمق الشكوك وتُضعف الائتلاف، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة لقول ما يُفكر فيه، لا ما يُكتب على الصفحات الرسمية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد