قفة رمضان في حضرة العامل اليزيدي أو حين تُفتَح شهية الانتخابات قبل أوانها بقلعة السراغنة

هبة زووم – قلعة السراغنة
في مشهد يعكس انزلاقًا مقلقًا في الممارسة السياسية، تشهد قلعة السراغنة خلال الأسابيع الأخيرة ما يشبه انطلاقة انتخابية مبكرة، لا تنتظر الإعلان الرسمي عن موعد الاستحقاقات التشريعية، بل تتسلل بهدوء عبر بوابة “العمل الاجتماعي” وتحديدًا من خلال قفة رمضان.
ما يثير الانتباه في الإقليم، المعروف تاريخيًا باحتدام المنافسة السياسية، هو أن التحضير الجاري لا يتخذ الأشكال التقليدية من لقاءات حزبية أو تأطير سياسي، بل يُمارَس في فضاءات اجتماعية مقنّعة، تُقدَّم فيها المساعدات الغذائية في شهر يُفترض أن تسوده قيم التكافل والتجرد.
غير أن المعطى الصادم، وفق ما يتداوله متتبعون محليون، هو أن توزيع هذه “القفف” يتم في وضح النهار وأمام أنظار السلطة، بل في سياق يُفهم منه أن الأمر يجري تحت أنظار عامل الإقليم اليزيدي، ما يطرح أسئلة ثقيلة حول حدود المراقبة، ودور السلطة في حماية حياد الفضاء العام.
اللافت أن هذه العمليات لا تبدو عفوية أو فردية، بل تأتي ضمن تنظيم محكم يعتمد على تحالفات تمتد أحيانًا إلى خارج الإقليم، لتأمين الدعم المالي واللوجستي.
كل ذلك يُدار خلف ستار اللقاءات الرمضانية والأنشطة الاجتماعية، في ما يشبه حملة انتخابية غير معلنة، تُبنى على استثمار هشاشة الفئات المعوزة.
صحيح أن توظيف العمل الخيري في السياسة ليس جديدًا في المغرب، لكن ما يحدث في قلعة السراغنة – حسب متابعين – يتسم بجرأة أكبر، وتركيز أوضح، وانخراط فاعلين نافذين بشكل مباشر، ما يحول “الإحسان” إلى أداة انتخابية سافرة.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل ما يجري يدخل ضمن العمل الاجتماعي المشروع؟ أم أنه خرق صريح لمبدأ تكافؤ الفرص، واستغلال فجّ لشهر رمضان في شراء الولاءات الانتخابية قبل فتح باب التنافس القانوني؟
كما يطرح هذا الواقع تساؤلًا أكبر حول دور السلطة الإقليمية: هل يحق لها الاكتفاء بدور المتفرج؟ أم أن مسؤوليتها القانونية والأخلاقية تفرض التدخل لوضع حد لكل ما من شأنه المساس بنزاهة العملية الانتخابية قبل انطلاقها؟
في خضم هذا المشهد، يجد المجتمع المدني نفسه أمام امتحان صعب: هل يملك القدرة على فرض قواعد لعب نظيفة تفصل بين الفضاء الروحي والرهانات السياسية؟ وهل يستطيع الدفاع عن حرمة شهر رمضان، حتى لا يتحول إلى موسم انتخابي مبكر تُستغل فيه حاجات الناس بدل صون كرامتهم؟
ما يقع في قلعة السراغنة ليس مجرد توزيع مساعدات، بل مؤشر خطير على عودة ممارسات انتخابوية ظن كثيرون أنها تراجعت. فحين تتحول القفة إلى ورقة ضغط سياسي، ويُستثمر الفقر في بناء النفوذ، فإن الديمقراطية تُفرَّغ من مضمونها، وتُختزل السياسة في منطق “من يعطي أكثر”.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو: إما تدخل واضح يعيد الاعتبار لحياد السلطة ونزاهة الاستحقاقات، أو استمرار هذا الصمت الذي قد يُفهم، عن قصد أو غير قصد، كضوء أخضر لمزيد من العبث بالإرادة الشعبية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد