هبة زووم – الدار البيضاء
في مشهد يومي يُكرر نفسه أمام أعين المسؤولين دون تحرك، يجد السائقون أنفسهم محتجزين لأزيد من 40 دقيقة على مسافة لا تتجاوز 2.5 كلمتر، ما بين مدخل الطريق السيار الحضري عين السبع ومدخل سيدي مومن، في اختناق مروري خانق يُهدر وقت المواطنين، ويُعطل مصالحهم، ويُثير تساؤلات مشروعة حول نجاعة التدبير المروري في العاصمة الاقتصادية.
فبينما يُفترض أن تُسهل الطرق السيارة الحضرية تنقلات المواطنين وتخفف الضغط على شبكة الطرق العادية، تحول هذا المدخل بالتحديد إلى “فخ مروري” يومي، يُعاني منه آلاف السائقين الذين يضطرون لاجتياز مسافة قصيرة في زمن قياسي، ليس بسبب كثافة السير فحسب، بل بسبب غياب تدبير استباقي كان من الممكن أن ينهي المعاناة بمجرد “غلق المدخل” في أوقات الذروة.
لا تحتاج الأزمة إلى تقارير معقدة لفهم حجمها، فكلمات السائقين البسيطة تصف الواقع بدقة: “40 دقيقة محتجزين” لمسافة “لا تتجاوز 2.5 كلمتر”.
هذه المعادلة البسيطة تُترجم إلى هدر يومي للوقت، وتوتر مستمر للسائقين، وتلوث إضافي بسبب توقف السيارات وانطلاقها المتكرر، وخسارة اقتصادية تُحسب بالملايين إذا ما تم تجميع ساعات الضياع اليومية لآلاف المستخدمين.
والسؤال الجوهري: كيف يمكن لمدينة بحجم الدار البيضاء أن تقبل باستمرار مثل هذا الوضع؟ وأي “تدبير مروري” هذا الذي ينتظر وقوع الاختناق للتحرك، بدلاً من استباقه بحلول بسيطة وفعالة؟
ويشير المواطنون إلى أن المعاناة يمكن إنهاؤها ببساطة عبر “غلق المدخل” في أوقات الذروة أو عند حدوث أي طارئ، لتجنب تراكم السيارات وتدفقها في مسار لا يستوعبها.
هذا الحل، الذي يصفه السائقون بـ”البديهي” و”السهل”، يطرح سؤالاً محرجاً: لماذا لا يتم تفعيله؟ هل الأمر يتعلق بنقص في التنسيق بين مصالح التدبير المروري؟ أم أن هناك “ارتجالاً” في اتخاذ القرارات؟ أم أن “اعتبارات أخرى” تُؤخر تطبيق حل يُجمع الجميع على نجاعته؟
فاستمرار المعاناة في ظل وجود حل بسيط ومجرب يُرسّخ قناعة لدى المواطنين بأن اللامبالاة المؤسسية هي السبب الحقيقي، وليس “تعقيد المشكل” كما يُروج.
لا يمكن اختزال أزمة مدخل عين السبع-سيدي مومن اليوم في “مشكل تقني” عابر، بل هي تعكس اختلالاً في تدبير الشأن المحلي يتطلب تحديد المسؤوليات.
فمجلس مدينة الدار البيضاء، باعتباره المسؤول الأول عن تدبير النقل الحضري والتنسيق مع مصالح الدولة في مجال المرور، مُطالب بالتدخل العاجل، كما أن شركة الطرق السيارة بالمغرب، المكلفة بتدبير الطريق السيار الحضري وضمان سلاسة الولوج إليه والخروج منه، تتحمل جزءاً من المسؤولية في إيجاد حل دائم.
ولا تُغفل مسؤولية الشرطة المرورية والدرك الملكي، المكلفان بتنظيم السير وضبط التدفق في النقاط الحرجة، بالإضافة إلى عمالة مقاطعة عين السبع-حي المحمدي، باعتبارها الجهة المحلية الأقرب للمواطنين والأقدر على رصد المعاناة اليومية، ليبقى السؤال المحرج: أين هي آليات التنسيق بين هذه الجهات؟ ولماذا لا تُنتج حلولاً عملية تُنهي معاناة يومية يعرفها الجميع؟
اليوم، تكشف هذه الأزمة عن إشكالية أعمق تتعلق بـ”ثقافة التدبير المروري” في الدار البيضاء، فبدلاً من اعتماد مقاربة استباقية تُحلل نقاط الاختناق وتتوقع الأزمات وتقترح حلولاً قبل وقوعها، يبدو أن التدبير الحالي يعتمد على “ردود الفعل” بعد تفاقم المشكل.
وهنا يبرز الفرق بين “مدينة تُدار” و”مدينة تُعاني”: فالمدينة الأولى تستثمر في الدراسات، وتعتمد التكنولوجيا، وتنسق بين مصالحها، وتتدخل بسرعة، أما المدينة الثانية فتنتظر وقوع الكارثة لتتحرك، وتُضيّع وقت المواطنين في “حلول ترقيعية” لا تدوم.
لم يعد مقبولاً أن تُترك معاناة آلاف السائقين دون تدخل عاجل. ما يحتاجه مستعملو الطريق بين عين السبع وسيدي مومن اليوم هو تدخل فوري لتجريب حل “غلق المدخل المؤقت” في أوقات الذروة، وتقييم نتائجه ميدانياً، بالإضافة إلى دراسة عاجلة لنقطة الاختناق، بمشاركة خبراء في هندسة المرور، لاقتراح حلول هيكلية إن لزم الأمر.
كما يتطلب الأمر تعزيز التنسيق بين مجلس المدينة، وشركة الطرق السيارة، والمصالح الأمنية، عبر خلية أزمة دائمة لمتابعة النقاط الحرجة، وتواصل شفاف مع السائقين، عبر لوحات إلكترونية أو تطبيقات ذكية، لإعلامهم بحالة المرور وبدائل المسار، ناهيك عن مراجعة شاملة لمنظومة التدبير المروري في الدار البيضاء، للكشف عن النقاط السوداء الأخرى واقتراح حلول استباقية لها.
ما يعيشه سائقو مدخل عين السبع-سيدي مومن ليس “اختناقاً ظرفياً”، بل هو اختبار لمصداقية التدبير الحضري في الدار البيضاء وقدرة المؤسسات على توفير أبسط حقوق المواطن: الحق في التنقل السلس.
تعليقات الزوار