المرصد المغربي: حماية الثروة السمكية لا تكتمل دون حماية القدرة الشرائية للمواطن

هبة زووم – الرباط
رغم الترحيب المبدئي الذي أبداه المرصد المغربي لحماية المستهلك بقرار كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، القاضي بإغلاق المنطقة الجنوبية أمام صيد صغار السردين إلى غاية نهاية يونيو 2026، إلا أن هذا القرار لا يخلو من مخاطر جسيمة تهدد القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت تُشير فيه كل المؤشرات إلى أن “حماية المخزون السمكي” قد تتحول ذريعةً لـ”حماية أرباح المضاربين” على حساب لقمة عيش الأسر المغربية.
فبينما ترفع الدولة شعارات “الاستدامة” و”الحفاظ على الثروة البحرية”، يظل المواطن المغربي معلقاً بين نارين: نار الحفاظ على البيئة، ونار غلاء المعيشة. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا في كل مرة يُعلن فيها عن “راحة بيولوجية”، تتحول الأسواق إلى ساحات للمضاربة والاحتكار؟ وأي “حماية” هذه التي تُنقذ السمك وتُغرق المواطن في الديون؟
لا يُنكر أحد أهمية الحفاظ على المخزون السمكي، خاصةً عندما يتعلق الأمر بصيد اليرقات والأسماك الصغيرة التي تُهدد مستقبل القطاع، لكن التاريخ القريب للأسواق المغربية يُعلمنا درساً قاسياً: كل قرار “تقشفي” في الصيد، يقابله ارتفاع جنوني في الأسعار، لا علاقة له بـ”قانون العرض والطلب”، بل بـ”قانون الجشع والاحتكار”.
إن إغلاق المنطقة الجنوبية، رغم مبرراته التقنية، يفتح الباب على مصراعيه لـ”الندرة المصطنعة”، فالمضاربون، الذين ينتظرون مثل هذه القرارات بفارغ الصبر، سرعان ما يستغلون “فجوة التموين” لتخزين المنتوج، وحبسه عن الأسواق، ثم إغراقها بأسعار خيالية تحت ذريعة “قلة العرض”.
والسؤال المحرج: أين هي الدولة من هذا السيناريو المكرر؟ ولماذا لا تُسبق قرارات الإغلاق بـ”خطة طوارئ” لمنع الاحتكار بدلاً من ترك السوق لـ”رحمة” التجار؟
ولم يكتفِ المرصد المغربي لحماية المستهلك بـ”الإشادة الرسمية”، بل وجه سهام نقد لاذعة لمسؤولي القطاع، مطالبةً بإجابات شافية على أسئلة مصيرية، فالمرصد يدرك جيداً أن “الاستدامة الحقيقية” لا تُبنى على أنقاض القدرة الشرائية للمواطن، وأن حماية البحر يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع حماية جيب المستهلك.
وتساءل المرصد بصراحة: هل توجد آليات صارمة لمراقبة الجودة والأسعار؟ أم أن الأمر سيُترك للصدفة؟ وكيف سيتم ضمان استقرار التموين في الأسواق الشعبية، حيث يُعد السردين مصدر البروتين الأساسي للأسر محدودة الدخل؟ إن صمت السلطات عن هذه الأسئلة يُفسر كـ”تواطؤ ضمني” مع من يخططون لاستغلال القرار.
وتشير معطيات الميدان إلى أن أسواق الجملة والتقسيط تتحول خلال فترات “الراحة البيولوجية” إلى بؤر للابتزاز، حيث تتحكم لوبيات محددة في تدفق المنتوج، وتحدد الأسعار كيفما تشاء، دون رادع من مصالح المراقبة التي تبدو غالباً “غائبة عن الوعي” أو “مقيدة اليدين”.
إن تعزيز المراقبة، كما يطالب المرصد، ليس مجرد “شعار” يُطلق في البلاغات، بل يحتاج إلى فرق مدججة بالصلاحيات، قادرة على اقتلاع جذور الاحتكار، ومعاقبة كل من يخزن السردين أو يتلاعب بأسعاره، فبدون عقوبات زجرية نكالاً، ستبقى القوانين حبراً على ورق، وسيستمر المواطن يدفع ثمن “حماية البيئة” من جيبه المثقوب.
ويُؤكد المرصد أن حماية الثروة السمكية خيار استراتيجي للأمن الغذائي الوطني، لكن هذا الخيار يفقد قيمته إذا تحول المنتوج إلى “سلعة فاخرة” لا تصل إلا لموائد الأغنياء، فكيف يمكن الحديث عن “أمن غذائي” بينما تُحرم شرائح واسعة من السكان من أبسط مصادر البروتين الحيواني بسبب أسعار خيالية؟
فالمعادلة التي تطرحها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري تبدو غير متوازنة: بيئة نظيفة ومواطن جائع، وهذا توازن مرفوض أخلاقياً واجتماعياً، فالدولة المسؤولة هي التي تضمن حق المواطن في الغذاء الصحي بثمن معقول، قبل أن تضمن حق السمك في “الراحة البيولوجية”.
لم يعد مقبولاً اليوم أن تُدار ملفات حساسة كـ”الصيد والأسعار” بـ”نفس قصير” و”وعود واهية”، فما يحتاجه المواطنون اليوم هو: خطة استباقية صارمة لمنع الاحتكار قبل إعلان قرار الإغلاق، وليس بعده عندما ترتفع الأسعار، تفعيل لجان المراقبة الميدانية بشكل يومي وفي كل أسواق الجملة، مع نشر أسماء المخالفين وعقوباتهم لضمان الردع، ضمان تموين بديل للأسواق الشعبية، عبر توجيه كميات من المناطق الأخرى أو تفعيل المخزون الاستراتيجي إن وجد، تثبيت أسعار قصوى للسردين خلال فترة الإغلاق، لمنع الاستغلال غير المبرر للظرفية، قنوات تبليغ مباشرة وفعالة للمستهلكين، مع ضمان متابعة شكاياتهم وعدم دفنها في أدراج الإدارة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد