هبة زووم – الرشيدية
في خروج نادر عن “خطاب المجاملة المؤسسية”، وضع حسن أزواوي، رئيس لجنة دائمة بالمجلس الجهوي لدرعة-تافيلالت وأستاذ جامعي، إصبعه على جروح قطاع السياحة بالجهة، خلال أشغال الدورة العادية لشهر مارس، في كلمات نقدية لاذعة لم تترك مجالاً للتأويل: “من الخيمة خرجات عوجة”، جملة لخصت بها أزمة تدبير سياحي يعاني من غياب الرؤية، وتهميش الإعلام، واختلالات بنيوية تُهدد مستقبل الجهة بأكملها.
فبينما تُعلن المؤسسات المحلية عن “طموحات كبرى” و”استثمارات بمليارات السنتيمات”، يأتي أزواوي ليُذكّر بحقيقة مُرة: السياحة لا تمثل سوى 1.8% من الناتج الداخلي الخام للجهة، رغم المؤهلات الطبيعية والثقافية الهائلة التي تزخر بها درعة-تافيلالت.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لمؤهلات بهذا الحجم أن تُنتج نسبة بهذا الضعف؟ وأي “استراتيجية” هذه التي تحولت إلى “شعارات براقة” دون أثر ملموس على الأرض؟
ولم يكتفِ أزواوي بنقد التدبير السياحي، بل وجّه سهاماً نقدية لاذعة لطريقة تعامل المؤسسة مع الإعلام، معبراً عن استغرابه من “التوتر القائم” مع هذا القطاع الحيوي، قائلاً بمرارة: “ماعرفت مالنا مع الصحافة والإعلام، هادا قطاع ودعامة أساسية للتنمية فالجهة”.
هذا التساؤل البسيط في صيغته، الجوهري في مضمونه، يطرح إشكالية وجودية: كيف يمكن للجهة أن تروّج لمؤهلاتها السياحية بينما تُهمّش الوسيلة الأساسية للترويج؟
فبينما كانت قاعة المجلس “تعج بالصحافة” في دورات سابقة، يبدو أن العلاقة مع الإعلام تحولت إلى “عبء” بدلاً من أن تكون “شراكة استراتيجية”.
والسؤال المحرج: أي سياحة نريد إذا كنا لا نؤمن بدور الإعلام في الترويج لها؟ وأي “تنمية” هذه التي تُبنى في غرف مغلقة بعيداً عن الرأي العام؟
لا يحتاج المرء إلى خبير اقتصادي ليفهم دلالة رقم 1.8%، الذي يمثل مساهمة قطاع السياحة في الناتج الداخلي الخام لجهة درعة-تافيلالت. فهذا الرقم لا يعكس فقط “ضعف الأداء”، بل يكشف عن فجوة مهولة بين “المؤهلات المعلنة” و”النتائج المحققة”.
فدرعة-تافيلالت، التي تزخر بالصحراء، والواحات، والجبال، والتراث الثقافي العريق، تُنتج سياحياً أقل من بعض المدن التي لا تملك نصف مؤهلاتها، والسؤال الاستراتيجي: لماذا فشلت الجهة في تحويل “الثروة الطبيعية” إلى “ثروة اقتصادية”؟
يُجيب أزواوي بشكل غير مباشر: لأن الأرقام المعلنة، رغم أهميتها، تظل “غير كافية إذا لم تتم مقارنتها بالمعدل الوطني”، ولأن الترويج للتراث يجب أن يكون “مبنياً على معطيات دقيقة وموثوقة”، لا على “تفاؤل إداري” يُخفي واقعاً هشاً.
وفي إشارة لاذعة إلى أضخم اتفاقية مع الشركة المغربية للهندسة السياحية، ومقرر إحداث شركة جهوية للسياحة بدرعة-تافيلالت، لم يتردد أزواوي في القول إن الأمور “من الخيمة خرجات عوجة”.
هذا التعبير الشعبي، الذي يحمل في طياته نقداً لاذعاً، يُحيل على إشكالات بنيوية بدأت “منذ اليوم الأول في المجلس”، حسب أزواوي، وتتعلق بـ: غياب العدالة المجالية في توزيع المشاريع، مما يُعمّق الفجوات بين أقاليم الجهة، فرض القانون الأساسي للشركة الجهوية “من فوق” دون إشراك فعلي للفاعلين المحليين، ضياع وقت ثمين كان من الممكن أن تُطلق فيه مشاريع حقيقية بدلاً من “مناقشات إجرائية” لا تنتهي، مع ميزانية تُقدر بـ130 مليون درهم لا تخفي “اختلالات بنيوية تزيد الوضع تعقيداً بدل حله”.
والسؤال الجوهري: كيف يمكن لشركة جهوية للسياحة أن تنجح بينما تُبنى على أسس “معوجة” منذ الانطلاق؟ وأي “حكامة” هذه التي تسمح بفرض قرارات دون توافق حقيقي؟
وفي مقارنة بسيطة لكنها دالة، استحضر أزواوي حواراً دار في مؤتمر دولي حول السياحة: “شنو الفرق بين مكناس وفاس؟ النكافة ديال فاس واعرة”.
هذه الإجابة الشعبية، التي قد تبدو للوهلة الأولى طريفة، تحمل في واقعها درساً استراتيجياً: الترويج السياحي ليس مسألة صدفة، بل يقوم على “أسس واستراتيجيات واضحة”، تبدأ من “المطبخ” كعنصر جذب، مروراً بالتراث، ووصولاً إلى تجربة سياحية متكاملة.
فبينما نجحت فاس في تحويل “مطبخها” إلى علامة تجارية عالمية، لا تزال درعة-تافيلالت تبحث عن “هويتها السياحية” وسط وعود لا تتحقق وأرقام لا تُقنع، والسؤال المحرج: متى تتحول “المؤهلات” إلى “منتجات”؟ ومتى تتحول “الشعارات” إلى “تجارب”؟
لم يعد مقبولاً اليوم أن تُدار جهة بحجم درعة-تافيلالت بـ”عقلية الوعود” و”منطق التبرير”، ما يحتاجه المواطنون والفاعلون اليوم هو: مراجعة شاملة للاستراتيجية السياحية بالجهة، بمشاركة فاعلين محليين، وخبراء مستقلين، وممثلين عن الإعلام، إرساء شراكة حقيقية مع الإعلام، باعتباره شريكاً استراتيجياً في الترويج، لا “طرفاً ثانوياً” يُستدعى للمناسبات، شفافية كاملة في نشر المعطيات والإحصائيات السياحية، مع توضيح منهجيات الحساب لضمان المصداقية، تصحيح مسار الشركة الجهوية للسياحة، عبر مراجعة قانونها الأساسي لضمان عدالة التمثيل والمشاركة الفعالة، مع تخصيص مؤشرات أداء قابلة للقياس لتتبع نجاعة المشاريع السياحية، مع محاسبة المقصرين في التنفيذ.
ما يُعلنه حسن أزواوي ليس “موقفاً فردياً”، بل هو جرس إنذار يُدق في وجه المسؤولين عن التدبير السياحي بجهة درعة-تافيلالت: المواطن والفاعلون لم يعودوا يقبلون بـ”الشعارات” دون نتائج، ولا بـ”الأرقام” دون تفسير.
فإما أن تتحرك الجهات المعنية بجدية لتصحيح المسار، وإشراك الإعلام كشريك، وبناء استراتيجية سياحية قائمة على المعطيات الدقيقة والعدالة المجالية، وإما أن تستمر “ثقافة الوعود” التي تُحوّل درعة-تافيلالت من “وجهة واعدة” إلى “منطقة ضائعة” في خريطة السياحة الوطنية.
تعليقات الزوار