الدار البيضاء: رمضان يغلي والغلاء “يذبح” ميزانية الأسر في غياب رقابة حازمة

هبة زووم – الدار البيضاء
مع حلول شهر رمضان، لم تعد أسواق الدار البيضاء مجرد فضاءات للتبضع، بل تحولت إلى “ساحات صراع” يومية بين ربّات البيوت والباعة، حيث يتضاعف الإقبال على السلع الطازعة، وترتفع الأسعار بوتيرة تُقلق الأسر، وتُعيد كتابة معادلة الاستهلاك في المدينة الاقتصادية.
فبينما كانت “الشراء بالكيلوغرام” قاعدة ثابتة في الماضي، صار الميزان اليوم يُقاس “بالنظر” و”بالحاجة”: “أعطني بدرهمين فقط”، أو “نصف الكمية يكفينا اليوم”، عبارات لم تعد تعكس “ترشيد الاستهلاك”، بل أصبحت “صرخة قدرة شرائية” تُترجم واقعاً مرّاً.
لم يعد الميزان في أسواق الدار البيضاء مجرد أداة لقياس الكمية، بل تحول إلى “مرآة عاكسة” للقدرة الشرائية للمواطن البيضاوي، فربّة البيت التي كانت تشتري خضر الأسبوع دفعة واحدة، صارت اليوم “تُوزّع ميزانيتها” على أيام الشهر الكريم، تختار الأصناف الأقل سعراً، وتتخلى عن أخرى كانت تعتبرها “أساسية”.
وفي قلب هذا التحول السلوكي، تسجّل الخضر الأساسية أرقاماً صادمة: البطاطس والبصل يُسجّلان أسعاراً لم تكن مألوفة في مثل هذا التوقيت من السنة، بينما تتحرك الطماطم في “هامش تقلب” واسع، تجعلها سلعة “متقلبة المزاج”: يومٌ رخيصة نسبياً، ويومٌ آخر تقفز أسعارها بلا سابق إنذار. أما الجزر والكوسة والفلفل بأنواعه، فقد أصبحت تُشترى “بحذر”، كأنها مواد “فاخرة” لا خضر يومية تُزين المائدة الرمضانية.
وتأخذ مفارقة الغلاء شكلاً أكثر وضوحاً حين نقترب من بعض الأصناف التي تُباع في عبوات صغيرة، فطماطم الكرز، مثلاً، تبدو للوهلة الأولى “غير مكلفة”، لأنها معروضة في علبة خفيفة الوزن، لكن حساب سعرها بالكيلوغرام يحوّلها فجأة إلى “منتج مرتفع الثمن”، ينافس في سعره بعض اللحوم البيضاء.
والأمر نفسه ينطبق على الزنجبيل الطري، الذي يُشترى عادة بالقطعة أو بالقبضة، لكنه يكشف عند تحويله إلى سعر بالكيلوغرام عن “رقم صادم”، لا ينسجم مع كونه مجرد جذر نباتي يُستخدم كمُكمل غذائي أو منكّه.
هذه الممارسات التجارية، التي تعتمد على “إيهام المستهلك بالرخص” عبر التغليف الصغير، تطرح سؤالاً أخلاقياً وقانونياً: أين هي الرقابة على طرق العرض والتسعير؟ وأي “حماية للمستهلك” هذه التي تسمح بـ”خداع بصري” يُضلل المشتري؟
بينما يسأل الزبون أكثر، ويقارن أكثر، ويجادل أكثر، يرفع البائع كتفيه معتذراً: “السلعة جاية غالية من عند المزوّد”، وبين هذا وذاك، تضيع المسؤولية في دهاليز سلسلة طويلة ومعقدة، تمتد من الحقل إلى الشاحنة، ومن سوق الجملة إلى دكان الحي.
اقتصادياً، يبدو المشهد وكأنه نتيجة معادلة غير متوازنة: طلبٌ مرتفع في زمن قصير (رمضان)، مقابل عرضٍ لا يتكيّف بالسرعة نفسها، مع وجود كلفة نقل وتخزين وهوامش ربح، تتضخم كلما اقتربت السلعة من يد المستهلك، لكن اجتماعياً، القصة أبسط وأقسى: أسرة تحاول أن تحافظ على نمط غذائي متوازن في زمنٍ، صار فيه هذا التوازن مكلفاً.
والسؤال الجوهري: إذا كانت “قوى السوق” تفسر الارتفاع، فلماذا لا تتدخل السلطات لتنظيمه؟ وأي “مراقبة” هذه التي تنتظر شكايات المواطنين للتحرك، بدلاً من استباق الأزمات؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد