من “الجلباب” إلى “التبرك”: كيف يحاول سياسيو آسفي تحويل ملفات التدبير إلى معركة إعلامية ضد العامل فطاح؟
هبة زووم – طه المنفلوطي
في تطور لافت للأحداث بإقليم آسفي، تصاعدت وتيرة الهجمات الإعلامية والشخصية الموجهة ضد عامل الإقليم، محمد فطاح، في حملة وصفها متتبعون بـ”الممنهجة” وذات الخلفيات السياسية الضيقة.
فبينما كان من المفترض أن ينصب النقاش على ملفات التنمية والتدبير المحلي، تحول المشهد إلى “حرب رمزية” تستخدم فيها الإشارات الدينية والبروتوكولية كـ”ستار دخان” لإخفاء ملفات أكثر حساسية تتعلق بالفساد والمحاسبة.
فمنذ تعيينه على رأس عمالة آسفي، اختار العامل محمد فطاح نهج “الحياد الإداري” كخيار استراتيجي، محافظاً على مسافة واضحة من مختلف الفاعلين السياسيين بالإقليم.
قرار لم يكن اعتيادياً في سياق محلي اعتاد على التركيبة غير الرسمية التي كانت تهيمن على المشهد، حيث بعض الوجوه السياسية اعتادت الاقتراب من مركز القرار الإداري، والسمسرة باسمه، وربط علاقات تتنافى مع واجب التحفظ لمكانة ورمزية ممثل السلطة.
هذا الخيار الإصلاحي، وإن كان يصب في مصلحة استعادة هيبة الدولة، إلا أنه أثار حفيظة النافذين، الذين شعروا بـ”الإقصاء” بعد أن فقدوا امتيازات الوصول المباشر إلى دوائر القرار، ومن هنا، بدأت “حرب الخفاء” التي تتخذ اليوم أشكالاً إعلامية وشخصية ضد العامل.
وفي ذروة هذا التوتر، ظهر مقال يتساءل بصيغة استنكارية عما إذا كان العامل قد “حوّل البروتوكول العاملي إلى زاوية للتبرك”، في إشارة واضحة لظهور رئيس المجلس العلمي إلى جانبه في بعض الأنشطة الرسمية، لكن هذا السؤال، بحسب محللين، هو نموذج لـ”حق أريد به باطل”، حيث يتم استخدام الرمزية الدينية كـ”سلاح” لتحويل الانتباه عن الأسئلة الجوهرية، كيف يمكن محاسبة المنتخبين المقصرين بينما النقاش ينحصر في “من جلس بجانب من”؟
فتحويل النقد المشروع اليوم إلى حرب هوية وشخصنة لا يخدم التنمية، بل يُهدر فرص الإصلاح التي ينتظرها مواطنو آسفي بفارغ الصبر.
وفي سياق متصل، تربط مصادر مطلعة الخرجة الأخيرة للجدل الإعلامي بتحركات لوزارة الداخلية في اتجاه فتح ملفات عالقة تتعلق بتدبير الشأن المحلي بالإقليم، ملفات قد تفضي، حسب نفس المصادر، إلى تفعيل مساطر قانونية صارمة، من بينها مساطر العزل في حق بعض المنتخبين أو إحالتهم على محاكم جرائم الأموال إذا ثبتت اختلالات جسيمة في تدبيرهم للمال العام.
هذا “السيناريو” يطرح أسئلة محرجة: هل تعد وزارة الداخلية لـ”عاصفة محاسبة” في آسفي؟ ومن هم المنتخبون المستهدفون بملفات التدبير المشبوه؟ ولماذا يُهاجم العامل فطاح بينما هو قد يكون مجرد “أداة” لتنفيذ توجيهات الوزارة الرامية إلى استعادة النزاهة؟
هذا، ويعتبر مراقبون أن الحملة الحالية ضد العامل فطاح هي في جوهرها “انتقام انتخابي” من أطراف سياسية تشعر بالتهديد من “ملفات التدبير” التي قد تُفتح ضدها.
فبدلاً من الانخراط في نقاش تنموي جاد، اختارت هذه الأطراف حرب التشويش عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، على أمل إرغام العامل على التراجع عن خطواته الإصلاحية.
لكن هذا الرهان قد يكون مخاطرة كبرى: فمواطنو آسفي لم يعودوا يقبلون بتضليل الرأي العام عبر معارك هامشية، وهم يطالبون اليوم بشفافية كاملة في نشر ملفات تدبير الشأن المحلي، وتحقيق نزيه ومستقل في أي اختلالات تُثار حول تدبير المنتخبين، وحماية الحياد الإداري للعامل فطاح من الضغوط السياسية، ونقاش جاد حول المشاريع والبرامج التنموية، لا حول “من يرتدي الجلباب”.