هبة زووم – الرباط
وجّه الفريق الاشتراكي (المعارضة الاتحادية) بمجلس النواب المغربي، انتقادات لاذعة لعدد من القطاعات الحكومية، بسبب ما وصفه بعدم احترام المدة القانونية المحددة للرد على الأسئلة الكتابية التي يوجهها البرلمانيون في إطار مهامهم الرقابية، في خطوة أعادت فتح النقاش حول مصداقية الرقابة البرلمانية وعلاقة الحكومة بالمؤسسة التشريعية في ظل الدستور الحالي.
فبينما يُفترض أن تكون الأسئلة الكتابية أداة فعالة لمحاسبة الحكومة وتتبع تنفيذ السياسات العمومية، تحولت في واقع الحال إلى رسائل في مهب الريح تنتظر أجوبة قد لا تأتي أبداً، في مشهد يطرح سؤالاً وجودياً: أين هي هيبة الدستور عندما تتجاهل الحكومة آجال الرد المحددة؟ وأي مسؤولية هذه التي تسمح بالصمت الإداري أمام أسئلة النواب المنتخبين؟
وفي هذا السياق، أوضح الفريق، في سؤال كتابي، أن الفقرة الثانية من الفصل 100 من الدستور المغربي تنص بشكل واضح على أن الحكومة مطالبة بالإدلاء بأجوبتها عن الأسئلة الكتابية داخل أجل لا يتجاوز عشرين يوماً من تاريخ إحالة السؤال عليها.
غير أن الواقع – بحسب الفريق – يكشف عن ضعف ملحوظ في تفاعل عدد من القطاعات الحكومية مع هذه الأسئلة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى احترام المقتضيات الدستورية المؤطرة للعمل الرقابي للبرلمان.
هذا التناقض الصارخ يطرح إشكاليات وجودية: كيف يمكن للحكومة أن تدعي احترام الدستور بينما تتجاهل آجال الرد المنصوص عليها فيه؟ وأين هي آليات المحاسبة التي تردع القطاعات التي تخرق الآجال الدستورية؟ ولماذا لا تُعلن الحكومة عن لائحة الأسئلة المتأخرة وأسباب التأخير لضمان الشفافية؟
فتحويل النص الدستوري من التزام ملزم إلى توصية اختيارية لا يُهدد فقط مصداقية العمل الحكومي، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من المحاسبة التي لطالما عانت منها العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في المغرب.
في هذا السياق، طالب الفريق بتقديم توضيحات وتقييم دقيق لمستوى تفاعل وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة مع المبادرات الرقابية التي يتقدم بها نواب الأمة، خاصة في ما يتعلق بالأسئلة الكتابية الموجهة إلى هذا القطاع.
وأشار الفريق إلى أن أحد أعضائه، البرلماني محمد لعسل، كان قد وجّه سؤالاً كتابياً إلى الوزارة التي تشرف عليها فاطمة الزهراء المنصوري بتاريخ 31 أكتوبر 2025 تحت رقم 4557/25، غير أنه لم يتلقَّ أي جواب بشأنه إلى حدود الساعة، وهو ما اعتبره الفريق مثالاً على ضعف التفاعل مع الآليات الرقابية التي يتيحها الدستور للبرلمان.
هذا الصمت الوزاري يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا ترد الوزارة على سؤال برلماني بينما هو حق دستوري للنائب وواجب على الحكومة؟ وأين هي مصلحة العلاقات مع البرلمان التي يفترض أن تتتبع الأسئلة وتضمن الرد في الآجال؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في رقابة النواب بينما تُترك أسئلتهم دون جواب من الحكومة؟
فاستمرار الصمت لا يُضعف فقط مصداقية الوزارة، بل يُهدر ثقة الناخبين في قدرة البرلمان على محاسبة الحكومة والدفاع عن انشغالاتهم.
وأكد الفريق الاشتراكي أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر سلباً على الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية، ويحد من قدرة النواب على تتبع تنفيذ السياسات العمومية وتقييم مدى استجابة الحكومة لانتظارات المواطنين.
هذا التحليل الواقعي يطرح إشكاليات استراتيجية: كيف يمكن للنواب أن يراقبوا الحكومة بينما لا يحصلون على المعلومات الأساسية عبر الأجوبة الرسمية؟ وأين هي تقارير التقييم التي تقيس فعالية الأسئلة الكتابية في تحسين السياسات العمومية؟ ولماذا لا تُفعّل العقوبات الداخلية ضد القطاعات التي تتأخر في الرد على الأسئلة البرلمانية؟
وتحويل الرقابة البرلمانية من أداة محاسبة إلى مراسم شكلية لا يُهدد فقط فعالية العمل التشريعي، بل يُعمّق شعور المواطنين باللامبالاة المؤسسية التي تُحوّل الأسئلة إلى أوراق بلا قيمة.
هذا، وشدد الفريق على أن احترام الآجال القانونية للرد على الأسئلة البرلمانية يشكل أحد مرتكزات مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبراً أن أي تأخير غير مبرر في هذا المجال قد يضعف فعالية العمل البرلماني ويحد من قدرة المؤسسة التشريعية على ممارسة دورها الدستوري في مراقبة العمل الحكومي.
و”المبدأ الدستوري” في هذه النازلة يطرح سؤالاً وجودياً: كيف يمكن ربط المسؤولية بالمحاسبة بينما تُترك القطاعات الحكومية تتجاهل الآجال الدستورية دون أي تبعات؟
وتحويل المحاسبة من واقع ملموس إلى شعار إعلامي لا يُضعف فقط مصداقية المؤسسات، بل يُهدر هيبة الدستور في نظر المواطنين الذين ينتظرون من سلطاتهم احترام القانون قبل تطبيقه على الآخرين.
ما يعيشه البرلمان المغربي مع فضيحة الأسئلة بدون أجوبة ليس خللاً إدارياً عابراً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الدستورية وقدرة الحكومة على تجاوز عقلية التغاضي لخدمة المصلحة العامة.
تعليقات الزوار