12.8 مليار درهم لدعم الماشية: أي ضمانات لوصول الدعم لمستحقيه بعيدا عن اللوبيات والوساطات؟

هبة زووم – الرباط
في وقت تُعاني فيه تربية الماشية بالمغرب من أزمة جفاف مُتتالية تُهدد ليس فقط القطيع الوطني بل أيضاً سبل عيش ملايين الكسابة، قدمت الحكومة تفاصيل برنامج دعم مالي مباشر بـ12.8 مليار درهم للسنتين 2025-2026، في خطوة وصفت بالاستجابة للتعليمات الملكية.
لكن وراء الأرقام الضخمة والشعارات الطموحة، يختفي سؤال لا مفر منه: إذا كان الدعم مباشراً وشفافاً كما يُدّعى، فلماذا لا تزال مخاوف الوساطات واللوبيات تُلاحق كل برنامج دعم في المغرب؟ وأي ضمانات هذه التي تمنع تحويل مليارات الدراهم من إنقاذ للكسابة إلى ورشة محاباة؟
فبينما يُعلن الوزير المنتدب مصطفى بايتاس عن انطلاق مرحلة مراقبة الاحتفاظ بإناث الأغنام والماعز تمهيداً لصرف الشطر الثاني من الدعم، يجد المواطن نفسه أمام وعود إدارية تحتاج إلى أفعال ملموسة على الأرض.
مشهد لا يُثير فقط فضول المتتبعين، بل يطرح سؤالاً جوهريا: كيف يمكن ضمان عدالة التوزيع في برنامج يهم 1.2 مليون كساب و32.8 مليون رأس ماشية؟ وأي آليات رقابية هذه التي تمنع تسرب الدعم إلى غير مستحقيه؟
وفي سياق متصل، أفاد مصطفى بايتاس أن الدعم الذي يمتد تنفيذه على مدى سنتي 2025 و2026، خُصص له غلاف مالي يقدر بحوالي 12.8 مليار درهم، يركز على توجيه دعم مالي مباشر للكسابة لاقتناء الأعلاف، ودعم مالي مباشر يروم الاحتفاظ على إناث الأغنام.
لكن هذا الغلاف المالي يطرح إشكاليات جوهرية: هل يكفي 12.8 مليار درهم لإنقاذ قطاع عانى من سنوات جفاف متتالية ويُطعم 32.8 مليون رأس ماشية؟ وأين هي دراسة الجدوى التي تحدد حجم الدعم اللازم لكل كساب حسب حجم قطيعه وظروفه؟ وكيف يمكن ضمان استدامة الدعم بعد 2026 بينما تبقى أزمة المياه والتغير المناخي تهديداً مستمراً؟
فتحويل الدعم المالي من أداة إنقاذ استراتيجية إلى إجراء ظرفي مؤقت لا يُهدر فقط فرص إنعاش القطاع، بل يُرسّخ ثقافة الإسعاف بدل العلاج التي لطالما عانت منها السياسات الفلاحية في المغرب.
هذا، وقد انطلق البرنامج خلال شهر ماي 2025 بعملية الإحصاء الوطني للقطيع، والتي مكنت من تسجيل حوالي 32.8 مليون رأس من الماشية، و1.2 مليون كساب، تلتها عملية الترقيم التي شكلت – بحسب الحكومة – أساساً لضمان الشفافية ونجاعة توجيه الدعم.
لكن هذا الادعاء بالشفافية يطرح أسئلة محرجة: لماذا لا تُنشر قواعد البيانات المُجمَّعة بشكل مُجمَّل ومحمي لضمان حق المواطن في المعرفة؟ وأين هي آليات الطعن للكسابة الذين قد يُستبعدون من الإحصاء أو الترقيم عن خطأ؟ وكيف يمكن ضمان دقة الإحصاء في مناطق قروية نائية قد يصعب الوصول إليها؟
فتحويل الإحصاء من أداة تخطيط إلى ورقة دعائية لا يُهدر فقط فرص الاستهداف الدقيق، بل يُعمّق شعور الكسابة بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل الدعم من حق مكتسب إلى منحة انتقائية.
ولمواكبة الكسابة في هذه العملية، أفاد بايتاس أنه تمت تعبئة جميع المصالح التابعة للقطاعات المعنية من أجل استقبال الشكايات، والتي تتم إحالتها يوميًا على اللجان المحلية التي يترأسها العمال للبت فيها.
هذا النموذج التدبيري هو الآخر يطرح إشكاليات بنيوية: لماذا لا تُعلن اللجان المحلية عن معايير البت في الشكايات بشكل شفاف يطمئن الجميع؟ وأين هي آليات المراقبة المستقلة التي تمنع أي تأثير محلي أو وساطات في قرارات اللجان؟ وكيف يمكن بناء ثقة بين الكسابة والإدارة بينما تُترك الشكايات المشروعة رهينة تقديرات إدارية غير معلنة؟
فتحويل معالجة الشكايات من حق للمواطن إلى ورشة إدارية مغلقة لا يُهدر فقط مبدأ المساءلة، بل يُرسّخ ثقافة القرار المغلق التي تُقدم راحة المسؤولين على عدالة التوزيع.
وسجل الوزير أن المحطة الثانية تشكل محطة أساسية، حيث تم ابتداءً من 24 مارس 2026 إطلاق عملية مراقبة الاحتفاظ بإناث الأغنام والماعز المخصصة للتوالد، تمهيدًا لصرف الشطر الثاني والأخير من الدعم.
وهذا الإجراء الرقابي يطرح سؤالاً وجودياً: كيف سيتم ضمان مراقبة ميدانية فعلية لملايين الإناث عبر تراب وطني واسع، دون إثقال كاهل الكسابة بإجراءات بيروقراطية معقدة؟
وفي نفس السياقن هذا التحدي اللوجستي يطرح إشكاليات جوهرية: أين هي الوسائل المادية والبشرية الكافية لضمان مراقبة فعالة وعادلة في كل المناطق؟ وكيف سيتم التعامل مع الحالات الاستثنائية (وفاة حيوان، مرض، ظروف قاهرة) دون ظلم الكسابة؟ وأين هي آليات الاستئناف للكسابة الذين قد يُستبعدون من الدعم بسبب أخطاء في المراقبة؟
فلم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك برامج الدعم الفلاحي رهينة الشكوك والصمت الرقابي، فما يحتاجه الكسابة والمهتمون بالشأن الفلاحي اليوم هو: نشر شفاف لمعايير الاستحقاق وآليات صرف الدعم، لضمان حق كل كساب في المعرفة والمراقبة، تفعيل آليات رقابة مستقلة على عمليات الإحصاء والترقيم والمراقبة الميدانية، مع نشر تقارير دورية للرأي العام، مع تبسيط المساطر الإدارية للكسابة، خاصة في المناطق القروية النائية، لمنع أي إقصاء غير مبرر.
ما يعيشه المغرب مع برنامج دعم تربية الماشية ليس إجراءً فلاحياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الفلاحية وقدرة الحكومة على تجاوز عقلية الوعود لخدمة المصلحة العامة، فإما أن تتحرك السلطات بجدية لضمان وصول الدعم لمستحقيه، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي تجاوز، وضمان شفافية كاملة في التدبير، وإما أن تستمر ثقافة الشكوك التي تُحوّل برامج الدعم من أداة إنقاذ إلى ورشة محاباة وتُهدر ثقة الكسابة في قدرة الدولة على حماية سبل عيشهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد