هبة زووم – الرباط
في زمن أصبح فيه الحوار الاجتماعي مجرد شعار يتردد في الخطابات الرسمية، وشراكة الإصلاح هدفاً يعلق على الجدران بينما تتبخر الثقة في الكواليس، يعود الجدل حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة ليُثير أسئلة وجودية مُحرجة حول مصداقية الشراكة بين وزارة العدل وهيئة المحامين.
فبينما يتهم الوزير عبد اللطيف وهبي المحامين بـ”التواطؤ والامتناع عن تقديم المساعدة القضائية” خلال احتجاجهم ضد المشروع، مشيراً إلى أن ما قامت به هذه الفئة “تمنعه المادة 39” من القانون المنظم للمهنة، يطرح السؤال نفسه بقوة: إذا كان الحوار مفتوحاً كما تُؤكد الوزارة، فلماذا وصلنا إلى مأزق الاحتجاج؟ وأي شفافية هذه التي تسمح باتهام المحامين بينما يُترك جوهر الخلاف رهينة تأويلات قانونية متناقضة؟
فبينما سجل وهبي أن المحامين اختاروا هذه الخطوة بالرغم من أنهم لم يتقدموا بأي وثيقة رسمية تبين النقاط الخلافية، لا يزال المهني ينتظر إجابة واحدة توضح: هل نحن أمام إصلاح تشاركي حقيقي، أم فرض لأمر واقع تحت غطاء المسطرة التشريعية؟
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث الاتهامات بينما يُترك المواطن يتفرج على عدالته وهي تُدار في الكواليس؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل شراكة الإصلاح من رسالة مشتركة إلى ساحة لاتهامات متبادلة؟
فحين تتحول الممارسة الاحتجاجية إلى مخالفة قانونية، فإن أي محامٍ يصبح ضحية لهذا الانزياح، فها هي المادة 39 تُستحضر لتجريم الامتناع عن المساعدة القضائية، وها هي اتهامات التواطؤ تُوجه دون وثائق رسمية تثبت النقاط الخلافية، وها هي شراكة الإصلاح تتبخر أمام صراع التأويلات، بينما يُترك المواطن يدفع ثمن الفوضى المدبرة.
وفي معرض دفاعه عن مسار إعداد المشروع، سجل وهبي أن المحامين اختاروا خطوة الاحتجاج بالرغم من أنهم لم يتقدموا بأي وثيقة رسمية تبين النقاط الخلافية بشأن مقتضيات المشروع، حسب تعبيره.
وأوضح أن وزارته لم تغلق باب الحوار بخصوص المشروع في مختلف المراحل التي مر منها، بدءاً من إحداث لجنة مشتركة ضمت ممثلين عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب ونقباء الهيئات، والتي عقدت عدداً كبيراً من الاجتماعات وعملت على صياغة مشروع قانون متوافق عليه في إطار من الشفافية والثقة.
وأضاف الوزير أن المسطرة تضمنت تسليم الصيغة النهائية للمشروع إلى جمعية هيئات المحامين بمناسبة افتتاح ندوة التمرين بهيئة المحامين بالدار البيضاء في نونبر الماضي، قبل أن تتم إحالته إلى الأمانة العامة للحكومة قصد مواصلة الإجراءات الخاصة بالمسطرة التشريعية، إلى أن تمت المصادقة عليه في المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 8 يناير المنصرم. ويعتبر هذا التسلسل الزمني، حسب الوزارة، دليلاً على احترام مبدأ الشراكة ومراعاة الآراء المقدمة قبل البت النهائي في النص.
ومن جهة أخرى، أعرب المسؤول الحكومي عن ارتياحه لإنهاء الإضرابات التي خاضها المحامون، مؤكداً تمسكه بالانفتاح على كل الملاحظات والمقترحات البناءة التي ستقدمها جمعية هيئات المحامين في المستقبل.
وتابع أن وزارة العدل ستبقى حريصة على تنفيذ برنامجها التشريعي بعرض مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة على أنظار السلطة التشريعية في أقرب الآجال، مما يفتح الباب أمام نقاش برلماني قد يشهد تعديلات إضافية قبل المصادقة النهائية.
وتبقى الإشكالية الكبرى المطروحة اليوم تتعلق بمدى قدرة الوزارة وهيئة المحامين على تجاوز مرحلة “الاتهامات المتبادلة” إلى مرحلة “الثقة العملية”، خاصة أن المشروع يمس صميم استقلالية المهنة وضمانات الدفاع.
فبينما تتمسك الوزارة بشرعية المسطرة الإدارية والحكومية التي تم اتباعها، يرى بعض المحامين أن جوهر الخلاف لم يُحسم بعد، وأن الإحالة على البرلمان لا يجب أن تغلق باب التشاور حول النقط العالقة التي أثارت احتجاجات الميدان.
وفي انتظار عرض المشروع على البرلمان، يترقب الجميع مدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل هذا النقاش إلى فرصة لإصلاح حقيقي يعزز مكانة المحاماة في المنظومة القضائية، بعيداً عن التجاذبات التي قد تؤثر على صورة العدالة ككل.
فالرهان اليوم ليس فقط على مرور قانون جديد، بل على إعادة بناء جسر الثقة بين الوزارة والهيئة، لضمان اشتغال سلس لمرفق القضاء لصالح المواطن.
تعليقات الزوار