الدار البيضاء: انتقال محفوظ التهريس إلى الاستقلال يفجر غضب الباميين ويعيد قضية الولاء الحزبي والتعويضات إلى الواجهة
هبة زووم – أحمد الفيلالي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، يعود ملف الترحال السياسي ليحتل صدارة النقاش العمومي، باعتباره أحد أكثر الظواهر التي ساهمت خلال السنوات الأخيرة في إضعاف ثقة المواطنين في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وفي هذا السياق، أثار ظهور محفوظ التهريس خلال اللقاء السياسي الذي احتضنه منزل البرلماني عبد الحق الشفيق، والذي شهد الإعلان عن ترتيبات تنظيمية جديدة داخل حزب الاستقلال بجهة الدار البيضاء-سطات، موجة واسعة من ردود الفعل داخل الأوساط السياسية، خاصة في صفوف عدد من مناضلي حزب الأصالة والمعاصرة الذين اعتبروا الخطوة امتداداً لظاهرة الترحال السياسي التي تزداد حدتها كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية.
ولم يكن الجدل مرتبطاً فقط بحضور التهريس ضمن نشاط لحزب منافس، بل امتد إلى نقاش أوسع حول البعد الأخلاقي للتمثيل السياسي، إذ يرى عدد من الفاعلين والمتتبعين أن المنتخب الذي استفاد من موقعه التمثيلي بفضل حزب معين، يفترض أن يوضح للرأي العام مبررات انتقاله السياسي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسار طويل من المسؤوليات والمهام التي مارسها تحت يافطة تنظيم سياسي محدد.
وتذهب بعض الأصوات داخل حزب الأصالة والمعاصرة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن النقاش لا يتعلق فقط بحرية الانتماء السياسي التي يضمنها القانون، بل أيضاً بمسؤولية أخلاقية تجاه الناخبين والمناضلين الذين منحوا ثقتهم لمرشح على أساس برنامج وهوية سياسية معينة.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في انتقال شخص من حزب إلى آخر، فذلك حق سياسي مشروع، وإنما في الرسالة التي تصل إلى الرأي العام عندما تتحول الأحزاب إلى مجرد محطات انتخابية مؤقتة، يتم الانتقال بينها وفق موازين الربح والخسارة أكثر مما يتم وفق القناعات الفكرية أو البرامج السياسية.
وما يزيد من حدة هذا النقاش أن المغرب يعيش منذ سنوات أزمة ثقة متنامية بين المواطن والفاعل السياسي، فكلما تكررت حالات تغيير الانتماءات الحزبية قبيل الانتخابات، ترسخ لدى جزء من الرأي العام شعور بأن الصراع السياسي لا يدور حول المشاريع والبرامج، بقدر ما يرتبط بالتموقعات الانتخابية وإعادة ترتيب المواقع استعداداً للمواعيد المقبلة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الأحزاب عن تخليق الحياة السياسية وتجديد النخب، يجد المواطن نفسه أمام مشاهد متكررة لأسماء تنتقل من حزب إلى آخر دون أن تقدم تفسيراً سياسياً مقنعاً لهذا التحول. وهو ما يطرح أسئلة حقيقية حول مفهوم الالتزام الحزبي ومدى احترام الإرادة السياسية للناخبين.
اليوم، لا يواجه محفوظ التهريس وحده أسئلة الرأي العام، بل تواجهها مجمل الأحزاب التي جعلت من استقطاب الأعيان والمنتخبين أولوية تتقدم أحياناً على بناء النخب السياسية وتطوير التأطير الحزبي. فالمعضلة لم تعد مرتبطة بأسماء بعينها، بل بنمط من الممارسة السياسية أصبح يهدد مصداقية المؤسسات التمثيلية برمتها.
ومع اقتراب الانتخابات، يبدو أن ملف الترحال السياسي سيظل أحد أبرز عناوين المرحلة المقبلة. غير أن الكلمة الأخيرة ستبقى للناخب، الذي بات أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على التمييز بين من يغير موقعه بدافع القناعة السياسية، ومن يغيره بحثاً عن موقع أفضل في خريطة التنافس الانتخابي.
فالمصداقية، في نهاية المطاف، لا تُقاس بعدد الأحزاب التي يمر منها السياسي، بل بقدرته على احترام التزاماته السياسية والأخلاقية أمام المواطنين الذين منحوه ثقتهم.