الدار البيضاء.. صورة قاتمة لمستشفيات العاصمة الاقتصادية وأسئلة معلقة حول الحكامة الصحية

هبة زووم – الدار البيضاء
لا تزال أوضاع عدد من المستشفيات والمراكز الصحية بمدينة الدار البيضاء تثير الكثير من القلق والاستياء في صفوف المواطنين، خصوصاً المرضى المنحدرين من الأسر ذات الدخل المحدود، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى المرافق الصحية العمومية بحثاً عن العلاج، في ظل ارتفاع تكاليف التطبيب والعلاج بالقطاع الخاص.
وفي الوقت الذي يفترض أن تشكل المستشفيات العمومية فضاءات للثقة والأمان والرعاية، فإن شكايات متكررة وملاحظات مواطنين ومرتفقين ترسم، بحسب ما يتم تداوله، صورة مقلقة عن واقع بعض هذه المؤسسات، سواء على مستوى ظروف الاستقبال، أو التجهيزات، أو النظافة، أو تدبير الموارد البشرية، أو جودة الخدمات المقدمة للمرضى.
ومن بين أكثر الملفات حساسية التي تحتاج إلى نقاش جدي، ملف الأخطاء الطبية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بحياة المواطنين وسلامتهم الجسدية.
ولا يمكن التعامل مع أي خطأ طبي محتمل باعتباره مجرد نتيجة حتمية للعلاج أو قضاءً وقدراً، خصوصاً عندما تكون هناك شبهات تتعلق بالإهمال أو التقصير أو عدم احترام المساطر المهنية، فالمسؤولية الطبية، متى ثبت وجودها، تظل موضوعاً قانونياً ومهنياً يستوجب التحقيق والتقييم والمساءلة وفق القواعد المعمول بها.
كما أن حماية الأطباء والأطر الصحية من الاتهامات المجانية لا تتعارض مع حق المرضى وأسرهم في معرفة حقيقة ما وقع عندما تسجل حالة وفاة أو مضاعفات خطيرة يشتبه في ارتباطها بخطأ أو تقصير مهني.
وتزداد الحاجة إلى الشفافية كلما تعلق الأمر بملفات حساسة تمس صحة المواطنين، لأن غياب التوضيح وندرة المعلومات الرسمية قد يفتحان الباب أمام الإشاعات والتأويلات، ويزيدان من منسوب فقدان الثقة في المرفق الصحي العمومي.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إطلاق الأحكام المسبقة على الأطباء والممرضين وباقي العاملين في القطاع، وإنما توفير آليات واضحة ومستقلة لتقييم الشكايات، والتحقيق في الحالات التي تستدعي ذلك، وإطلاع الأسر المعنية على نتائج الأبحاث الطبية والإدارية والقانونية، كلما سمحت القوانين بذلك.
ولا تتوقف الإشكالات التي يطرحها واقع بعض المؤسسات الصحية بالدار البيضاء عند الأخطاء الطبية المحتملة، إذ يشتكي مواطنون أيضاً من أعطاب تطال بعض التجهيزات الطبية، ومن صعوبات مرتبطة بتوفير الأدوية والمستلزمات، فضلاً عن ظروف الاستقبال والاكتظاظ وطول فترات الانتظار.
وفي مستشفى عمومي، لا يمكن النظر إلى تعطل جهاز طبي أو نقص مستلزم أساسي باعتباره مجرد تفصيل إداري، لأن أي خلل في سلسلة الخدمات قد تكون له انعكاسات مباشرة على المريض الذي جاء إلى المؤسسة الصحية طلباً للعلاج.
ومن هنا تبرز ضرورة اعتماد أنظمة صارمة للصيانة والتتبع والمراقبة، مع تحديد المسؤوليات بشكل واضح عند تسجيل أعطاب متكررة أو اختلالات تؤثر على الخدمات الصحية.
ومن الملفات التي تثير استياء المواطنين أيضاً ما يصفه البعض بانتشار ممارسات غير قانونية داخل بعض المرافق الصحية، من بينها طلب مبالغ مالية أو امتيازات مقابل خدمات يفترض أن تقدم في إطار المرفق العمومي.
وهذه الاتهامات، متى ثبتت، لا ينبغي أن تمر دون تحقيق ومساءلة، لأنها لا تمس فقط بحقوق المرضى، وإنما تضرب الثقة في المؤسسة الصحية وفي الدولة ومؤسساتها.
لكن في المقابل، من غير المنصف تعميم هذه الاتهامات على جميع العاملين في المستشفيات والمستوصفات، إذ تضم المنظومة الصحية أطباء وممرضين وتقنيين وإداريين يواصلون أداء مهامهم في ظروف صعبة، ويبذلون جهوداً كبيرة لخدمة المرضى.
المطلوب اليوم إذن هو محاربة أي ممارسة غير قانونية دون تحويل حالات فردية، متى وجدت، إلى حكم جماعي على جميع العاملين في القطاع.
المواطن البيضاوي، خصوصاً محدود الدخل، لا يطلب المستحيل. إنه يريد مستشفى يحترم كرامته، ويضمن له الاستقبال اللائق، والعلاج في ظروف آمنة، والأدوية والمستلزمات الأساسية، وتجهيزات صالحة للاستعمال، ونظافة تليق بمرفق يرتبط بصحة الإنسان وحياته.
كما يريد أن يشعر بأن الشكاية التي يتقدم بها تجد من يستمع إليها، وأن الخطأ، إن وقع، يخضع للتحقيق، وأن المسؤولية لا تضيع بين المكاتب والمصالح.
إن المستشفى العمومي الذي يستحقه المواطن هو مؤسسة تقوم على الثقة والمراقبة والشفافية والمحاسبة، وتخضع مواردها البشرية وتجهيزاتها وبناياتها لمتابعة مستمرة، وتضع سلامة المريض في مقدمة أولوياتها.
أما استمرار الاختلالات، أياً كان حجمها، دون تقييم أو معالجة، فيؤدي في النهاية إلى شيء أخطر من تعطل جهاز أو نقص دواء: تآكل الثقة في المرفق الصحي العمومي.
ولهذا، فإن النقاش حول مستشفيات الدار البيضاء لا ينبغي أن يتحول إلى حملة ضد الأطباء أو الأطر الصحية، كما لا ينبغي أن ينتهي عند حدود الشكايات الفردية. المطلوب هو فتح نقاش مؤسساتي جدي حول الحكامة الصحية، وجودة الخدمات، وآليات مراقبة الأخطاء الطبية، وتدبير الموارد والتجهيزات، ومحاربة كل أشكال الفساد أو الرشوة، مع حماية المهنيين النزهاء من التعميم والاتهامات غير المثبتة.
فالمرضى الذين يلجون المستشفى العمومي لا يدخلونه بحثاً عن امتياز، وإنما بحثاً عن حق أساسي: أن يتلقوا العلاج في ظروف تحفظ حياتهم وكرامتهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد