هبة زووم – الرباط
في خضم أجواء الانتخابات التشريعية التي تجرى اليوم الأربعاء، يعود الباحث والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى طرح سؤال يتجاوز أسماء المرشحين ونتائج الصناديق، ليلامس جوهر العلاقة بين الناخب والمؤسسة التشريعية: هل يكفي أن يكون المرشح قادراً على استمالة الناخبين ومساعدتهم فردياً حتى يصبح مؤهلاً لتمثيلهم داخل البرلمان؟
اليحياوي، وفي تدوينة جديدة ذات لهجة نقدية قوية، يتحدث عن مرشح لحزب التجمع الوطني للأحرار في ما يسميه «الغرب المنسي»، مشيراً إلى أن أخباراً متداولة محلياً تقدمه باعتباره «المرشح الأوفر حظاً» للفوز بمقعد برلماني، بسبب ما يُنسب إليه من مساعدة للسكان وعدم البخل عليهم مما يملك من إمكانيات.
لكن الباحث يضع هذه الصورة في مواجهة مع معطيات أخرى يقول إنها متداولة بشأن المرشح نفسه، من بينها اتهامات باستغلال مقالع للرمال، والاستفادة من عقار تابع للجماعة، وتحقيق ثراء من موارد المنطقة.
غير أن اليحياوي يقول إن هذه «الجزئيات» ليست هي جوهر المسألة بالنسبة إليه، لينتقل إلى السؤال الأكثر حساسية: ما هي المؤهلات التي ينبغي أن يتوفر عليها من يطمح إلى الجلوس تحت قبة البرلمان؟
ويذهب الباحث إلى أن المرشح الذي يتحدث عنه لم يستكمل تعليمه الابتدائي، مستنداً، بحسب تدوينته، إلى ما عاينه شخصياً خلال الاستماع إليه. ومن هنا يطرح سلسلة من الأسئلة حول قدرته على ممارسة الوظيفة التشريعية، خصوصاً في المجالات التقنية المرتبطة بالتشريع وقوانين المالية والملفات الاقتصادية.
ويقول اليحياوي، في جوهر انتقاده، إن البرلمان ليس مجرد فضاء للتصويت، وإن مهمة النائب لا تختزل في الحضور ورفع اليد، بل تتطلب القدرة على قراءة النصوص وفهمها ومناقشتها، ومساءلة الحكومة، والمشاركة في اللجان، والتعامل مع ملفات ذات طبيعة قانونية ومالية وتقنية معقدة.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: القانون لا يشترط، في حد ذاته، شهادة دراسية محددة للترشح لمجلس النواب، ما يعني أن انخفاض المستوى الدراسي لا يشكل وحده مانعاً قانونياً من الترشح. لكن ذلك لا يلغي النقاش السياسي والمجتمعي حول الكفاءة التي يحتاجها النائب لممارسة اختصاصاته الدستورية والتشريعية.
ومن هذه الزاوية، يوجه اليحياوي انتقاده إلى ظاهرة أوسع من مرشح بعينه، معتبراً أن البرلمان قد يستقبل، في نظره، عدداً من المنتخبين الذين لا يتوفرون على الحد الأدنى من التكوين الذي يسمح لهم بفهم الملفات التي يصوتون عليها.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بالقدرة على القراءة والكتابة، بل بكفاءة النائب في فهم النص القانوني، تحليل مشروع قانون، مناقشة قانون مالية، مساءلة وزير، تتبع السياسات العمومية، والمساهمة في اقتراح تعديلات تشريعية.
كما يطرح اليحياوي سؤالاً آخر حول المشاركة في الوفود البرلمانية والعلاقات البرلمانية الدولية، متسائلاً عن قدرة النائب على التواصل وتمثيل المؤسسة التشريعية في مناسبات تتطلب مستوى معيناً من التكوين والقدرة على النقاش.
الأكثر حدة في تدوينة الباحث هو انتقاله من نقد بعض المرشحين إلى تحميلهم مسؤولية أوسع عن أداء المؤسسة التشريعية، إذ يعتبر أن عدداً من القوانين التي جرى تمريرها خلال الولاية السابقة ارتبطت، في نظره، بوجود منتخبين يكتفون بالتصويت دون امتلاك القدرة الكافية على مناقشة مضامين النصوص.
لكن السؤال الذي تطرحه التدوينة يبقى قائماً: هل يختار الناخب مرشحه بناء على قدرته على تمثيله داخل المؤسسة التشريعية، أم بناء على قدرته على حل طلبات فردية خلال فترة الحملة الانتخابية؟
فالفارق كبير بين مرشح “يساعد الناس” في محيطه المحلي، وبين نائب مطلوب منه الاشتغال داخل مؤسسة تشريعية وطنية، حيث تتحول أصواته ومواقفه إلى قرارات وقوانين تمس ملايين المواطنين.
والأخطر أن اختزال الكفاءة السياسية في القدرة على تقديم المساعدات الفردية قد يحول الانتخابات من آلية لاختيار من يمثل المواطنين ويدافع عن مصالحهم العامة، إلى مناسبة لإعادة إنتاج علاقات الزبونية والولاءات المحلية.
وفي المقابل، فإن اختزال قيمة المرشح في مستواه الدراسي وحده سيكون بدوره تبسيطاً للمسألة؛ فالكفاءة البرلمانية تشمل المعرفة بالقانون والسياسات العمومية، والقدرة على التواصل والتحليل والمساءلة، والخبرة بالقضايا التي تهم المواطنين، والنزاهة والاستقلالية والقدرة على اتخاذ موقف مسؤول.
لذلك، فإن السؤال الذي يضعه اليحياوي أمام الناخبين لا ينبغي أن يتوقف عند مرشح بعينه، بل يمتد إلى معايير الاختيار نفسها: ماذا ننتظر من النائب؟ وما الذي نريده من البرلمان؟ وهل نقيس المرشح بما يقدمه للأفراد خلال الحملة، أم بما يستطيع تقديمه للأمة طوال الولاية؟
في النهاية، البرلمان ليس مجرد قاعة للتصويت، كما أن الانتخابات ليست مسابقة لاختيار الأكثر سخاء في توزيع المساعدات. إنها عملية لاختيار من سيتولى، باسم المواطنين، ممارسة وظيفة تشريعية ورقابية داخل مؤسسة دستورية.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تضعه تدوينة اليحياوي أمام الناخب اليوم ليس فقط: من سيفوز بالمقعد؟ بل: من يستحق ثقة الناخب بناءً على قدرته على ممارسة المسؤولية البرلمانية؟ أما الجواب، فسيظل في يد الناخب وحده، داخل صناديق الاقتراع.
تعليقات الزوار