مراكش.. مشاهد مؤلمة لأشخاص بلا مأوى في الشوارع ونداءات لإنقاذهم قبل الشتاء
هبة زووم – مراكش
تتواصل في عدد من أحياء وأزقة مدينة مراكش مشاهد إنسانية مؤلمة لأشخاص يعيشون دون مأوى، بينهم رجال ونساء وأطفال، وأحياناً أسر صغيرة تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة قسوة الشارع، في غياب حلول اجتماعية دائمة تضمن لها الحد الأدنى من الحماية والكرامة.
وفي عدد من النقاط داخل المدينة، أصبح من المألوف مشاهدة أشخاص يفترشون الأرض ليلاً، ويتخذون من الأرصفة والزوايا والأماكن المهجورة ملاذاً مؤقتاً، بينما تمر الحياة من حولهم وكأن الأمر تحول إلى جزء عادي من المشهد اليومي.
غير أن اعتياد هذه الصور لا يلغي قسوة الواقع، ولا يعفي الجهات المعنية من مسؤولية البحث عن حلول تحفظ كرامة الأشخاص الموجودين في وضعية الشارع، وتوفر لهم الرعاية والمواكبة الاجتماعية والصحية التي يحتاجون إليها.
وتتوزع هذه الفئة، بحسب ما يلاحظه سكان وفاعلون محليون، في عدد من المواقع التي توفر لهم قدراً من العزلة، من بينها محيط السكة الحديدية، والمحطة الطرقية، والبقع الأرضية غير المستغلة، والمستودعات والبنايات المتقادمة أو المهجورة.
غير أن الاحتماء بهذه الأماكن قد يحولها بدوره إلى مصدر إضافي للخطر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطفال أو أشخاص يعانون من الهشاشة الاجتماعية والصحية.
وتزداد المخاطر مع انخفاض درجات الحرارة وتساقط الأمطار، حيث يلجأ بعض الأشخاص إلى إشعال النيران بحثاً عن الدفء، في ظروف قد تتحول فيها وسائل التدفئة البدائية إلى مصدر للحوادث، خصوصاً داخل فضاءات مغلقة أو غير آمنة.
وتعيد هذه المشاهد إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بمدى جاهزية منظومة التكفل الاجتماعي للتعامل مع الأشخاص الذين يعيشون في الشارع، ليس فقط خلال فترات البرد، وإنما على مدار السنة.
وتبدو وضعية الأطفال الموجودين في الشارع الأكثر إثارة للقلق، بالنظر إلى هشاشتهم وحاجتهم إلى حماية ومواكبة متخصصة.
فمشاهد أطفال يتجولون في الشوارع دون رعاية أسرية مستقرة، أو يقضون ساعات طويلة في فضاءات عمومية، تطرح أسئلة جدية حول ظروفهم الأسرية والاجتماعية، وحول آليات حمايتهم من مختلف أشكال الاستغلال والانحراف.
كما تثير بعض المشاهد المرتبطة باستنشاق مواد لاصقة أو تعاطي مواد مخدرة، بحسب ما يتم تداوله محلياً، مخاوف إضافية بشأن سلامة هؤلاء الأطفال ومستقبلهم، خصوصاً إذا لم يتم التدخل في مراحل مبكرة.
وهنا لا ينبغي التعامل مع الطفل الموجود في الشارع باعتباره مجرد مصدر للإزعاج أو الفوضى، وإنما باعتباره في المقام الأول طفلاً في وضعية هشاشة يحتاج إلى الحماية والتقييم والمواكبة.
فخلف كل طفل يعيش في الشارع قصة اجتماعية أو أسرية أو اقتصادية تستحق الفهم والمعالجة، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها الظاهرة في الفضاء العمومي.
ومع اقتراب موسم البرد والأمطار، تتجدد الدعوات إلى عدم اختزال التعامل مع الظاهرة في حملات موسمية مرتبطة بانخفاض درجات الحرارة.
فالمبادرات التي تتحرك فقط عندما يشتد البرد، رغم أهميتها في إنقاذ الأرواح والتقليل من المخاطر، تظل محدودة الأثر إذا لم تندرج ضمن سياسة اجتماعية مستمرة تضمن الإيواء والمواكبة وإعادة الإدماج.
وتحتاج هذه الفئة إلى تدخلات متعددة الأبعاد، تشمل الإيواء الآمن، والرعاية الصحية والنفسية، والمواكبة الاجتماعية، وإعادة بناء الروابط الأسرية متى كان ذلك ممكناً، إلى جانب حماية الأطفال وإعادتهم إلى مسارات التعليم والرعاية المناسبة لأوضاعهم.
كما أن معالجة الظاهرة تقتضي التنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى لا تتحول الشوارع والأرصفة والبنايات المهجورة إلى بديل دائم عن مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
ولا يتعلق الأمر فقط بصورة المدينة أو بما يثيره انتشار الأشخاص بدون مأوى من انزعاج لدى بعض السكان، بل يتصل أساساً بقضية إنسانية واجتماعية لها امتدادات صحية وأمنية وتربوية.
فالشخص الذي يعيش في الشارع معرض لمخاطر متعددة، كما أن بعض السلوكيات الناتجة عن الإدمان أو الاضطرابات الاجتماعية قد تخلق، في بعض الحالات، مخاطر على المعنيين أنفسهم أو على محيطهم.
لذلك، فإن المقاربة المطلوبة لا ينبغي أن تقوم على الإبعاد من الفضاءات العمومية فقط، لأن نقل الأشخاص من شارع إلى آخر لا يحل المشكلة، وإنما قد يؤجلها ويغير مكان ظهورها.
المطلوب هو الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى منطق المواكبة المستدامة، ومن معالجة المشهد في الشارع إلى معالجة الأسباب التي دفعت أشخاصاً إلى الشارع أصلاً.
ومراكش، باعتبارها مدينة تستقبل أعداداً كبيرة من الزوار وتعيش حركة اقتصادية وسياحية متواصلة، تحتاج إلى أن يكون بعدها الاجتماعي في مستوى تحدياتها، بما يضمن حماية الأشخاص في وضعية الشارع، وخاصة الأطفال، ويحد من المخاطر المرتبطة بتفاقم الظاهرة.
ومع اقتراب الشتاء، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيكون التدخل هذه المرة مجرد حملة موسمية تنتهي بانتهاء موجة البرد، أم أن الأمر سيتحول إلى ورش اجتماعي دائم يعيد لهؤلاء الأشخاص حقهم في الحماية والكرامة والاندماج؟