كانوا يعبدون شجرة صنوبر , يقال لها ( شاهد رخت ) كان يافث بن
نوح غرسها على شفير عين يقال لها ( روشنا آب ).
سبب تسميتهم بأصحاب الرس :
وسموا أصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم في الأرض، و ذلك بعد سليمان عليه السلام وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطيء نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، و بهم سمي النهر.
.
.
لم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه و لا أعذب منه و لا قرى أكثر و لا أعمر منها .
وذكر عليه السلام أسماءها، و كان أعظم مداينهم اسفندار، التي ينـزلها ملكهم و كان يسمى تركوذ بن غابور بن يارش بن ساذن بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم عليه السلام، و بها العين الصنوبرة.
.
.
غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة و أجروا إليها نهراً من العين التي عند الصنوبرة، فنبتت الحبة و صارت شجرة عظيمة و حرموا ماء العين والأنهار، فلا يشربون منها ولا أنعامهم, و من فعل ذلك قتلوه، و يقولون هو حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتنا و يشربون هم و أنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم، و قد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيداً يجتمع إليه أهلها فيضربون على الشجرة التي وضعوا بها من أنواع الصور ثم يأتون بشاة و بقر فيذبحونها قرباناً للشجرة، و يشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذبائح و قتارها في الهواء و حال بينهم و بين النظر إلى السماء خروا سجداً يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم.
فكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها و يصيح من ساقها صياح الصبي أن قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفساً و قروا عيناً.
فيرفعون رؤوسهم عند ذلك و يشربون الخمر و يضربون بالمعازف و يأخذون الدستبند – يعني الصنج – فيكونون على ذلك يومهم و ليلتهم ثم ينصرفون.
وسميت العجم شهورها اشتقاقاً من تلك القرى.
حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليها صغيرهم و كبيرهم فضربوا عند الصنوبرة و العين سرادقاً من ديباج عليه من أنواع الصور و جعلوا له اثنا عشر باباً كل باب لأهل قرية منهم وي سجدون للصنوبرة خارجاً من السرادق و يقربون لها الذبائح أضعاف ما قربوا للشجرة التي في قراهم.
فيجيء إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكاً شديداً ويتكلم من جوفها كلاماً جهورياً و يعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم و منتهم الشياطين كلها فيحركون رؤوسهم من السجود و بهم من الفرح والنشاط ما لا يعيقون و لا يتكلمون من الشرب و العزف فيكونون على ذلك اثنا عشر يوماً لياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون.
فلما طال كفرهم بالله عز و جل و عبادتهم غيره، بعث الله نبياً من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب ، فلبث فيهم زماناً طويلا يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل و معرفة ربوبيته، فلا يتبعونه.
فلما رأى شدة تماديهم في الغي و حضر عيد قريتهم العظمى، قال: يا رب إن عبادك أبوا إلا تكذيبي و غدوا يعبدون شجرة لا تضر ولا تنفع، فأيبس شجرهم اجمع وأرهم قدرتك وسلطانك.
فأصبح القوم و قد أيبس شجرهم كلها، فهالهم ذلك، فصاروا فرقتين :
– فرقة قالت: سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنه رسول رب السماء و الأرض إليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه.
– و فرقة قالت: لا، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها و يدعوكم إلى عبادة غيرها فحجب حسنها و بهاؤها لكي تغضبوا لها.
فتنصروا منه وأجمع رأيهم على قتله، فاتخذوا أنابيب طوالاً و نزحوا ما فيها من الماء، ثم حفروا في قرارها بئراً ضيقة المدخل عميقة و أرسلوا فيها نبيهم، و ألقموا فاها صخرة عظيمة، ثم أخرجوا الأنابيب من الماء و قالوا: نرجو الآن أن ترضى عنا آلهتنا إذا رأت إنا قد قتلنا من يقع فيها ويصد عن عبادتها و دفناه تحت كبيرها يتشفى منه فيعود لنا نورها و نضرتها كما كان.
فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم عليه السلام وهو يقول: سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدة كربي، فارحم ضعف ركني، و قلة حيلتي، و عجل بقبض روحي و لا تؤخر إجابة دعوتي، حتى مات.
فقال الله جل جلاله لجبرئيل عليه السلام: أيظن عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي و أمنوا مكري و عبدوا غيري و قتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني؟ كيف و أنا المنتقم ممن عصاني ولم يخش عقابي، و إني حلفت بعزتي لأجعلنهم نكالاً و عبرة للعالمين.
فلم يرعهم و هم في عيدهم ذلك إلا بريح عاصف شديد الحمرة، فتحيروا فيها و ذعروا منها و تضام بعضهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد و أظلتهم سحابة سوداء، فألقت عليهم كالقبة جمراً يلتهب، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص بالنار.
فنعوذ بالله تعالى من غضبه و نزول نقمته و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .