أحمد كيكيش
لقد تتبعت عن بعد اللقاء الذي سيره الصحافي المقتدر السيد يوسف بجاجة عندما استضاف رئيسة المجلس الوطني لحقوق الانسان السيدة أمينة بوعياش في موضوع هام نتشعب الأبعاد حول وضعية حقوق الانسان وكذا التقرير الذي أصدره المجلس الوطني في زمن كورونا.
كما تتبعت بكل تمعن لغة وألغاز أجوبتها للصحافة والتي كانت في نظري تعكس صورة لمسؤولة حقوقية محترفة فكرا ومعرفة في مجال حقوق الانسان، ولهذا يصعب على من ليس له دراية بالميدان أو الذي يمزج بين الحقوقي والسياسي فهم مغزى أجوبة الرئيسة وكذا فلسفة صناعة ترميم الحقل الحقوقي، لتعزيز المنظومة الوطنية لحقوق الانسان في أفق تفعيل وترسيخ الحكامة الحقوقية بالمجالات المرتبطة بالحريات الفردية والجماعية وكذا الحقوق المدنية والاجتماعية.
إذ ورد في ردها بلغة مبسطة حول مشروع قانون 20.22 أنه لم يتم استشارة المجلس الوطني في الموضوع رغم أنه نؤسسة دستورية وطنية معنية بحقوق الانسان، وأضافت بكل جرأة أن الوضع الذي نعيشه اليوم ببلادنا يعود أساسا لتعاكس لارادتين، إرادة إدارية وإرادة سياسية..
وهنا سأحاول أن أتطرق إلى انعدام التناغم بين الإرادتين في مجال التعليم كحق مدني في صلبه الاجتماعي، والذي أضر بالمشاركة والانخراط في مجال الإصلاح التربوي كشأن مجتمعي علما أن التعليم يشمل الجزء الكبير من معادلة ملف أحداث الحسيمة والريف عامة.
أكيد أن هذا الانفصام الإداري الخطير الذي يسعى كبار المسؤولين بالقطاع تكريسه، وراءه الافلات من العقاب وهدفه شل تطبيق ربط المسؤولية بالمحاسبة لتوفير الحماية لمصالحهم الشخصية “مدارس خصوصية ـ عقارات ـ صفقات ـ امتيازات ـ مقاولات ومشاريع مختلفة..”، هذه الممتلكات معظمها غير مشروع، آت من برامج- إصلاح القطاع وعلى رأسهم البرنامج الاستعجالي.
وللتذكير أنه سبق لجلالة الملك في ملف الحسيمة أن قام بكل حكمة وصرامة بدوره الدستوري بصفته رئيسا للدولة، حيث استقبل كلا من رئيس الحكومة ورئيس المجلس الأعلى للحسابات وفوره أقال مجموعة من الوزراء الذين ارتكبوا خروقات جسيمة في هذا الصدد، وترك الباقي لرئيس الحكومة لاستدامة نفس الإجراءات، إلا أن ما يسمى “الإرادة الإدارية” في حلتها القديمة / الجديدة وقفت سدا مانعا لمواصلة الإصلاح لكونها فضلت ترك الأمور كما كانت عليه، متناسية أن رئيس الحكومة لم يف بالتزاماته الدستورية أمام الملك والشعب اتجاه القطاعات التي سجلت في حقها خروقات جسيمة دونتها بكل وضوح تقارير قضاة المجلس الأعلى للحسابات وكذا تقارير كل من المفتشيتين العامتين للمالية والداخلية وهي في صلبها تتانفى وحكامة الإرادة الرشيدة.
إن كل المتتبعين للشأن التربوي استبشروا خيرا لما عصف الزلزال الملكي بكل من الوزيرين السابق واللاحق وقد وعد أحدهم المغاربة بغربلة الإدارة المركزية صانعة “الإرادة الإدارية” ولكنه بنفسه تم غربلته، حيث اتجهت كل الأنظار إلى موضع الكاتبين العامين لقطاعي الصحة والتعليم، الأول تم تنحيته أما الثاني الكاتب العام للتعليم فقد آزرته رياح “الإرادة الإدارية”، حيث روجت زمرته في أوساط أسرة التربية والتكوين أن تلك “الإرادة الإدارية” هو مؤسسها وكيف أن تنقلب عليه لهذا تم إزالة اسمه من لائحة المغضوبين عليهم، وأمام صحة بقائه تم إحياء من جديد “النظرية السبيطية” نسبة لكاتب عام منى نفس الطينة سبق له أن تربع على كرسي الكتابة العامة لمدة عقود بالقطاع فرمل تطوره وتحديثه وأمام حربه الضروس مع شيخ وزراء التعليم وبفضل “الإرادة الإدارية” وعبر الطبالة والغياطة تم إرجاعه إلى مكتبه بالوزارة وفاء لـ”الإرادة الإدارية”. إذن السؤال المطروح لماذا كل مبادرات الإصلاح تنتهي بالفشل؟
إن فشل التعليم متعدد الأوجه بسبب تلك “الإرادة الإدارية” التي تتميز بضعف استراتجياتها وعدم قدرتها لاستدامة الإصلاح نظرا لهياكلها البالية عموديا وأفقيا وترابيا (إقليمي وجهوي) حيث تعيد إنتاج نفس الأزمة بنفس الأشخاص وعبلى شكل شبكة نوعا ما بنية مركزية بالية الفكر والقيم تعرقل كل إصلاح تربوي لائق.
وفي هذا الصدد أعود إلى كلام رئيس المجلس الوطني لحقوق الانسان حول مسألة تعاكس الإرادتين سالفتا الذكر لأقول بكل وضوح أنه مهما كانت شخصية وزير التربية الوطنية ونواياه من أجل الإصلاح، فبدون قرارات جريئة مشفوعة بمهارات قصد تفكيك هذه البنية الإدارية البالية فلا يمكن إطلاقا استئناف إصلاح التعليم أو على الأقل الحفاظ على المكتسبات التي حققته وتحققه نساء ورجال التعليم أساتذة ـ مديرين وبعض أطر المراقبة التربوية ذات الأيادي البيضاء.
إن زمن كورونا يفرض علينا جميعا توجيه نداء المواطنة الحقة إلى صناع القرار لوضع التعليم من ضمن الأولويات الحكومية الأساسية لتدراك النقص الحاصل في التحصيل الدراسي وأدواته وخاصة الأدوات والموارد المتعلقة بالتكنولوجيا الحديثة التي برزت إبان إغلاق المدارس وعدم المساواة في الوصول إلى تنكنولوجيا التعلم عن بعد واستخدامها رغم أن أصحاب “الإرادة الإدارية” هم المسؤولين عن هذه الأزمة منذ أكثر من عشر سنوات مضت.
ولهذا أقول لهذه “الإرادة الإدارية” أن تكف من سيطرتها على القطاع والتي فشلت في تحديثه ورقمنته ولن يسمح لها من جديد أن تعاكس أو تحاول أن تعلو فوق الإرادة السياسية للدولة. ومنه فإن استئناف مسار إصلاح التعليم زمن كورونا وبعده هو المستقبل!!
أحمد كيكيش مدرب في مجال حقوق الانسان ومدير إقليمي سابق