هبة زووم – الرباط
في قرار ملكي يعكس عمق التحول في منهجية تدبير الشأن العام، تم نقل ملف دعم وتكوين القطيع الوطني من وزارة الفلاحة إلى وزارة الداخلية، في خطوة تضع حداً لسنوات من “الاحتكار الفلاحي” الذي طبع هذا الورش الاستراتيجي، وترتبط بسياق سياسي واجتماعي لم يعد يقبل التراخي أو سوء التدبير.
القرار، الذي جاء في توقيت حساس قبيل عيد الأضحى، يتجاوز البُعد التنظيمي والإداري، ليطرح سؤالًا وجوديًا حول أدوار الفاعلين المؤسساتيين في ضمان الأمن الغذائي، ومآلات السياسات العمومية حين تتحول إلى أدوات انتخابية بيد أقلية نافذة.
فوزارة الفلاحة، التي كانت لسنوات تحت قيادة عزيز أخنوش، ثم تحت وصاية أطر محسوبة عليه، وجدت نفسها خارج معادلة الثقة الملكية، بعد فشل متكرر في تدبير ملفات أساسية تمس صميم الحياة اليومية للمغاربة.
فمنذ إطلاق “مخطط المغرب الأخضر”، ارتفعت الشعارات، وتدفقت المليارات، لكن ظل الواقع في الحقول والمراعي يرزح تحت الإهمال والبيروقراطية والريع المقنع.
قطيعٌ يتقلص سنة بعد سنة، وأسعار الأضاحي تتصاعد، والدعم – حين ينزل – ينزل انتقائيًا، في اتجاه جيوب معلومة لا تخفى على أحد.
هكذا، تحول الملف إلى مرآة لفشلٍ مزدوج: فشل في التخطيط، وفشل في احترام التوازنات الاجتماعية والعدالة المجالية. وفي المقابل، ظل المواطن البسيط يُجَرُّ من وعد إلى وعد، من موسم جفاف إلى موسم غضب، دون أن تنقذه خطط الورق أو وعود المسؤولين.
الرسالة الملكية كانت حازمة في مضمونها وإن جاءت في صمت القرار: لا مجال بعد اليوم لتسييس الملفات الاجتماعية، ولا تساهل مع الاختلالات التي تمس القوت اليومي للمغاربة، أو تلك التي تحوّل شعيرة دينية إلى كابوس مالي للأسر المتوسطة والفقيرة.
وبإسناد هذه المهمة إلى وزارة الداخلية، يتم الرهان على مؤسسة لها من القدرة التنفيذية والحضور الترابي ما يُمكّنها من التدخل الفوري، وضبط الأسواق، وضمان تتبع حقيقي لمسارات الدعم، بما يخدم الفلاح الصغير والمواطن في الهامش قبل المركز.
لكن ما بين السطور، هناك ما هو أعمق: إشارة واضحة إلى أن نفوذ رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، قد بدأ في الانكماش داخل دائرة القرار الاستراتيجي، لا سيما في الملفات التي راكم فيها إخفاقات سياسية واقتصادية، على رأسها ملف الفلاحة، الذي طالما شكل بوابته للسلطة والثروة معًا.
فهل نحن أمام بداية نهاية مرحلة؟ وهل يعيد القرار الملكي ترتيب أولويات الدولة وفق منطق جديد يُقدّم الكفاءة على الولاء، والمصلحة الوطنية على المصالح الحزبية؟ المؤشرات كثيرة، والرسائل أوضح من أن تُخطئها العين.
المؤكد أن إعادة هيكلة ملف القطيع الوطني ليست إجراءً تقنيًا، بل تصحيح لمسار منحرف، واستعادة للقرار العمومي من قبضة من جعلوا من الدولة منصة لتصفية الحسابات أو تعويم الفشل.
والمطلوب اليوم، ليس فقط محاسبة المتقاعسين، بل بناء نموذج دعم فلاحي عادل، يليق بمغرب يراهن على سيادته الغذائية واستقراره الاجتماعي.
فالمعركة المقبلة ليست حول الأضاحي فقط، بل حول كيفية استعادة الثقة في مؤسسات تُدبّر بالشفافية والكفاءة، لا بالمحاباة والزبونية.
تعليقات الزوار