هبة زووم – أحمد الفيلالي
في تصريح أثار الكثير من علامات الاستفهام، عبّر باشا مدينة سطات عن أسفه الشديد لما وصفه بـ”الواقع المحرج” لعاصمة الشاوية، التي ما تزال – على حد تعبيره – المدينة الوحيدة التي تعرف استمرار تنقل الكراويل (عربات تجرها الدواب) وسط المجال الحضري، وبثمن لا يتجاوز ثلاثة دراهم.
الخرجة المفاجئة للمسؤول الترابي فتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات قديمة/جديدة حول هشاشة الحكامة المحلية، والتمدد الفوضوي لظاهرة الكراويل، التي صارت جزءًا من المشهد اليومي بالمدينة، في مشهد عبثي يُفرّغ مفهوم التمدن من محتواه، ويدفع المدينة نحو انزلاق بصري وسلوكي غير مسبوق.
ما يجري في سطات ليس مجرد “نقل تقليدي”، بل انتهاك صارخ للملك العمومي، وتحويل للشوارع إلى مزارع خاصة بلا ضوابط، حيث يُفرض الأمر الواقع بقوة الصمت الإداري والتقاعس عن تفعيل القوانين الجاري بها العمل. الصورة لا تحتاج إلى شرح، فالكراويل تستبيح الطرقات وتُزاحم المارة والسيارات في وضح النهار، دون رقيب أو حسيب.
تصريحات باشا المدينة جاءت لتميط اللثام عن ما أسماه “تواطؤًا بنيويًا” مع هذه الظاهرة، متسائلًا بمرارة: من سمح بتحويل المدينة إلى حظيرة؟ من غض الطرف عن هذا التمدد غير المشروع؟ من رفض تحرير محاضر المخالفة؟ وهل نحن أمام إدارة تخضع لمنطق القانون، أم مجرد سلطة رمزية تغض الطرف عن واقع يزداد انحدارًا؟
الانتقاد لم يقف عند حدود التوصيف، بل تجاوز ذلك إلى تشخيص عميق لاختلالات تسير المدينة، حيث أضحى الفضاء العام يُفرّط فيه لصالح طبقة من المستفيدين، لا يهمها سوى الحفاظ على مصالحها الخاصة، حتى وإن كان الثمن هو التشويه المتعمد لصورة المدينة وتكريس ثقافة الفوضى.
إن ظاهرة الكراويل ليست مجرد تشوّه بصري، بل عنوان كبير لفشل السياسات المحلية في فرض هيبة القانون وتحرير المجال العمومي من قبضة العشوائية. وبات لزامًا اليوم على السلطات المنتخبة والإدارية أن تتحمل مسؤولياتها، إن أرادت فعلاً أن تصون سطات من السقوط في منطق “اللامدينة”، حيث يصبح الشارع ملكًا لمن يجرّه أولاً، لا لمن ينتمي إليه مواطَنة وكرامة.
تعليقات الزوار