هبة زووم – إبراهيم طاسين
يقول الحق سبحانه بعد بسم الله الرحمن الرحيم في سورة الأنفال، الآية 71: “وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير”، صدق الله العظيم.
والدين عند الله الإسلام، والإسلام فطرة من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، أما الإسلام عند المسلمين اليوم فهو جغرافيا من الرباط حتى جاكرتا، وهذه الجغرافيا حتماً تخضع إلى الجغرافيا السياسية وإلى الجيوستراتيجيات التي تهندسها القوى الفاعلة في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، من سايكس بيكو إلى اليوم، اعتماداً على استراتيجيين أمثال فوكوياما وماك ماهان وبريجنسكي وبرنار لويس.
بُنيت هذه الرؤية على دول وظيفية كإسرائيل وإيران وتركيا وقطر والإمارات، في الوقت الذي يرى فيه دماغ بوتين الاستراتيجي ألكسندر دوغين أن هذه الدول الوظيفية قد بنت وظيفتها على إيديولوجيات دينية كلها تنبؤات مستقبلية، فمن المهدي المنتظر عند الإيرانيين الذي لا يزال يعيش في سرداب لأزيد من ألف سنة باعتباره الإمام الغائب، والذين يريدون أن يُسرّع الله فرجه، وقبله الخرساني الذي يقول الإيرانيون عنه إنه ابن الولي الفقيه آية الله علي خامنئي وبوصلته القدس وفلسطين.
الشيء الذي نجح فيه الإيرانيون في سحب الملف الفلسطيني من القوميين العرب، وتحديداً الناصريين، خصوصاً بعد اغتيال ياسر عرفات، الذي استطاع أن يُجلس إسرائيل إلى طاولة استحقاقي مدريد وأوسلو، الشيء الذي انقلب عليه شارون انتصاراً لأنصار السامرة ويهودا.
أقول: فمن المهدي عند الإيرانيين إلى المشياح أو المسيح عند اليهود، ومحاولة تشريع مجيئه عند التلموذيين اعتماداً على سفر “إستر” ونبوءات النبي “إشعيا”، ومروراً بالإنجيليين البروتستانت الذين يريدون تسريع مجيء المسيح وإعداد البقرات الحمراء.
أما قطر، الجناح الإعلامي لتركيا، ودولة الإمارات، فوظيفتهما لا تخرج عن الجغرافيا الإسلامية، الأولى تحت سلطة ورقابة الـ”CIA”، والثانية تحت رقابة الـ”DAI”.
أما اليوم، فالدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت مقتنعة بأن الوقت قد حان لإحلال سلام شامل ودائم بالشرق الأوسط، خصوصاً بعد إسكات أو إنهاء الأصوات الممانعة للدمج النهائي لدولة إسرائيل بمحيطها الجغرافي، في ظل سلام طويل الأمد يدمج باقي الدول الإسلامية غير العربية بتطبيع ثقافي واجتماعي، سيمكن من إسقاط الاستراتيجيات التي وُلدت من رحم الحرب الباردة، وعلى رأسها الاستراتيجية الأوراسية التي استفادت منها أوروبا الغربية لعقود من الزمن، تحت شعار “أمريكا أولاً”، واستبدالها باستراتيجيات جديدة ستُغيّر المفهوم العلمي للجغرافيا السياسية وللعلوم الجيوستراتيجية بشكل نهائي، والتي بُنيت مفاهيمها على جغرافية الاتحاد السوفياتي سابقاً وروسيا الاتحادية حالياً.
هذه الاستراتيجيات سيكون حائط الصد الأولي فيها هما دولتا الهند وباكستان، وقاعدتها الخلفية بلاد فارس والدول التركمانية، مدعومة بحائط صد إضافي، ألا وهي منطقة الشرق الأوسط الجديد، بدون خلفيات سياسية ذات أبعاد دينية مبنية على تنبؤات دينية عند الأديان التوحيدية الثلاثة، وذلك لحشر دولة الصين في الزاوية، خصوصاً وأن المحيط الهادي يشكّل عند الأمريكيين حائط الصد الأول ضد الصين، وما أنتجته الحرب العالمية الثانية من حلفاء للولايات المتحدة كاليابان وتايوان وكل الجزر المحيطة بالصين وحتى أستراليا.
لتبقى الممرات الجيوستراتيجية الستة أهم انشغالات الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية، أهمها مضيق جبل طارق، وما أنتجته التوافقات الأخيرة بين بريطانيا وإسبانيا، وبالتالي عودة ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة، لجعل هذا الممر آمناً على المستوى الاستراتيجي، وما سينتجه من تفاعلات جيوسياسية تخص هذه الدول الثلاث، بربط الحلف الغربي الأوروبي بإفريقيا، وهذا يعني الموت الإكلينيكي لرأس الرجاء الصالح، وللوضع الاعتباري والجيوسياسي لدولة جنوب إفريقيا كممر بديل.
أما الممر البحري الثاني فهو قناة السويس، التي تخضع للاتفاقية التركية الدولية لسنة 1888، والتي أصبحت قاعدة للقانون المنظم للاتفاقيات الدولية سواء الثنائية أو الجماعية لسنة 1969. ويجري التفكير في ممر مائي بديل آمن يمر عبر غزة، يربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، ويشمل كلاً من إسرائيل ومصر ودولة الأردن والمملكة العربية السعودية، دون الممرات البرية الاحتياطية، وخاصة الرابطة بين الهند ودولة الإمارات حتى إسرائيل لبلوغ البحر الأبيض المتوسط دون استعمال باب المندب أو مضيق هرمز.
أما الممر المائي الثالث، فهو باب المندب، الذي كان تحت سلطة الاتحاد السوفياتي من خلال اليمن الجنوبي، بما فيها جزيرة “سقطرى”، التي سلّمها سنة 2010 عبد الله صالح للأمريكيين عبر اتفاقية دولية، في عهد الجنرال الأمريكي ديفيد بتريوس، كقاعدة أمامية للقاعدة الجوية بجزيرة “دييغو غارسيا”.
هذا الوضع تغيّر بسقوط علي عبد الله صالح وسيطرة الحوثيين على اليمن بدعم إيراني، سيسقط حتماً بعد الضربات الموجعة لإيران وأذرعها في دول الطوق، لتحويل إيران إلى دولة غير مارقة وغير مصدّرة للثورة، بسياسة خارجية لا تتخطى حدودها الداخلية.
وهذا الوضع ينسحب على الممر البحري الرابع المعروف بمضيق هرمز، والذي يشمل كلاً من إيران وسلطنة عُمان ودولة الإمارات وقطر والمملكة العربية السعودية. ليبقى الممر المائي الخامس أكثر أمناً، لأنه يوجد داخل الحدود الترابية لدولة واحدة، ألا وهي إندونيسيا، وأعني به مضيق سوندا، الذي يفصل بين جزيرة سومطرة وجزيرة جاوة، وكذلك مضيق مالقا، الذي يفصل بين إندونيسيا وماليزيا.
والأكيد أن هذه الممرات الخمسة الجيوستراتيجية، من مضيق جبل طارق حتى مضيق مالقا بإندونيسيا، هي تحت سلطة ونفوذ الدول الإسلامية كلياً أو جزئياً، باستثناء المضيق السادس، الذي يوجد تحت نفوذ كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين، التي استثمرت أزيد من 80 مليار دولار لفتحه وتنقيته من الجليد دون جدوى، لأنه يقع داخل القطب المتجمد الشمالي.
فإن استطاعت هذه الدول الثلاث استثماره واستغلاله بشكل دائم يُلغي الحاجز الثلجي المعرقل، فهذا قادر على أن يُغيّر مفهوم العلوم الجيوستراتيجية، وبالتالي الجيوسياسية بشكل نهائي، وسيشكل نهاية لكل الأطروحات الاستراتيجية الغزيرة لأب الاستراتيجيين الأمريكيين “أندرو مارشال”، المتخصص في الدفاع العسكري، والاستراتيجي “توماس شيلينغ” المتخصص في الاستراتيجيات النووية، والمحلل الاستراتيجي “ألبرت ولستر”. أما “ناعوم تشومسكي”، فإنه ليس إلا ظاهرة صوتية، مدعومة بصدى “جون بولتون”، هدفهما المصلحة الشخصية والذاتية.
أما الممرات المائية ذات الأبعاد الإقليمية، فأهمها ممرا “البوسفور” و”الدردنيل”، اللذان لهما أهمية استراتيجية قصوى لروسيا الاتحادية للوصول إلى المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وربطهما بالبحر الأسود وبحر إيجة، وما نتج عن ذلك من حرب بين روسيا وأوكرانيا، ستنتهي حتماً لصالح الروس، ولو بحرب نووية، خصوصاً وأن روسيا لا يمكنها الاستغناء عنه كممر وحيد، في غياب بديل تفكر فيه روسيا الاتحادية بجدية، وهو مشروع الممر الاصطناعي البحري الرابط بين بحر قزوين وبحر العرب، مروراً بإيران والعراق، والذي إن أُحدث، سيكون أعظم ممر بحري اصطناعي في التاريخ البشري بعد قناة بنما. وحتى هذه الممرات، فهي تحت سلطة ونفوذ دول إسلامية.
ومن خلال هذا التحليل البسيط، نتأكد أن الجغرافيا الإسلامية تتحكم في كل الممرات المائية الاستراتيجية العالمية، ولكن دون فعل جيواستراتيجي موحد، أو خبراء استراتيجيين مسلمين ينظرون لجيواستراتيجية عالمية تراعي مصالح الجغرافيا الإسلامية إلى جانب مصالح الدول الفاعلة في العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لتحقيق السلم الدائم في العالم.
وهذا سيقوّض طموحات الصين الجيوعسكرية دون تقويض طموحاتها الجيو-اقتصادية، التي ترتبط حتماً بالمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة، وسيقلل من الصراعات الجيوسياسية والإقليمية والمحلية بشكل كبير، باستراتيجية مبنية على دول إقليمية مؤثرة في الجغرافيا الإسلامية، شبيهة بالجغرافيا السياسية للقرن 17 ميلادي، تُبدّد أطروحة دولة الخلافة لصالح تكتلات إسلامية كبرى ذات بعد اقتصادي وأمني، متفاعلة فيما بينها، لتبديد أي تخوفات أمنية، تفضي حتماً في النهاية إلى اتفاقية أمنية عالمية شاملة بين الدول الإسلامية مجتمعة والولايات المتحدة الأمريكية، تتضمن كلاً من روسيا والصين.
وعلى رأس هذه التكتلات الإسلامية: الإمبراطورية المغربية، والإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية التركمانية، والإمبراطورية الشرق أوسطية بقيادة السعودية وإسرائيل، والتي ستُعتبر بمثابة ميثاق عالمي، يفضي إلى قول الله تعالى في سورة الأنفال الآية 71: “وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير”.
فهل يستطيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحقيق ذلك، بتحقيق سلام عالمي طويل الأمد، يُراعي مصالح الجميع ومعها مصالح أمريكا، تحت شعار “أمريكا أولاً”، ويستحق من خلاله جائزة نوبل للسلام؟
تعليقات الزوار