هبة زووم – أحمد الفيلالي
في مدينة كانت إلى عهد قريب نموذجًا للاستقرار والنمو المتوازن في الأقاليم الجنوبية، تعيش الداخلة اليوم واحدة من أحلك مراحلها، حيث باتت المدينة ضحية لتداخل حسابات ضيقة، وصراعات شخصية تغلفها شعارات المصلحة العامة، في مشهد يختزل مأساة تدبير عمومي مرتهن للإخفاقات والولاءات العمياء.
وإذا كانت النخب السياسية الحزبية المشكلة للأغلبية داخل مجلس جماعة الداخلة قد فشلت في بلورة مشروع تنموي يعكس تطلعات الساكنة، فإن الأخطر من ذلك هو ما يُسجل من انزلاقات تمس جوهر التعاقد بين الدولة والمواطن، عنوانها العريض: والي الجهة علي خليل.
فمنذ حلوله بالداخلة، بدا الرجل وكأنه في مهمة لا تمت بصلة لمفهوم الدولة الحاضنة ولا للإدارة الرشيدة، بل أقرب إلى مقاربة ترتكز على زرع الانقسام داخل نسيج نخبها المحلية، مستعينًا بسياسة “فرّق تَسُد”، التي نجح من خلالها في شلّ الدينامية السياسية والتشاورية التي ميزت المدينة لسنوات.
اليوم، لا يمكن الحديث عن أزمة داخلة دون التوقف عند دور الوالي، الذي بدا جليًا أنه لا يشتغلد بمنطق البناء المؤسسي، بل بمزاجية تتعارض مع روح دستور 2011، ومع مبادئ دولة الحق والقانون. وهو ما يترجمه إضعاف الفاعلين المحليين، وتفكيك التحالفات، وخلق أجواء من الشك والريبة داخل مجلس المدينة، ما أدى إلى تعطيل مصالح المواطنين، وهدر الزمن التنموي.
لكن هذه الوضعية ليست نتاجًا لفعل السلطة وحدها، بل أيضًا لضعف النخب السياسية المحلية، التي اختارت، عن سبق إصرار، التماهي مع منطق الخنوع، متخلية عن أدوارها التمثيلية والرقابية، تاركة المدينة فريسة لتصفيات الحسابات، وهي نخب باتت تلهث خلف الامتيازات والمواقع، وتتاجر بقضايا المواطنين، وتتحدث باسمهم في المنصات، بينما تبيعهم في الكواليس.
والأدهى من كل هذا أن المواطنين، وهم الضحية الأولى، أضحوا شهودًا على حالة تدهور غير مسبوقة في أداء المؤسسات، وسط غياب أي أفق واضح لإصلاح ما أفسده التدبير المشترك بين السلطة والمنتخبين، في وقت تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تواجه الداخلة.
لقد آن الأوان لفتح نقاش عمومي جاد ومسؤول حول وظيفة الوالي ودوره الحقيقي في تأمين الانسجام المؤسساتي، بدل مفاقمة الانقسام وتسميم الحياة السياسية.
كما أن الحاجة باتت ماسة لإعادة الاعتبار للمنتخب المحلي، لا باعتباره تابعًا بل شريكًا في صياغة القرار التنموي، ومساءلة النخب الحزبية عن أدائها الباهت وعجزها عن الدفاع عن ساكنة وضعت ثقتها فيها، فخذلتها.
الداخلة لا تحتاج إلى تجار الأزمات ولا إلى حماة المصالح الضيقة. تحتاج فقط إلى سلطة قوية بعدالتها، وسلطة تحترم الأدوار الدستورية، ونخب تضع الوطن فوق الحسابات، فإما أن نستعيد البوصلة، أو نستمر في نزيف فقدان الثقة الذي يهدد ما تبقى من هذه المدينة الجميلة.
تعليقات الزوار