هبة زووم – أبو العلا العطاوي
تعيش الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة بني ملال خنيفرة واحدة من أكثر فتراتها قتامة منذ سنوات، بعدما تفجرت سلسلة من الاختلالات الإدارية والمالية والتربوية، التي وضعت المدير الجهوي في قلب عاصفة غير مسبوقة، وجرّت المؤسسة التعليمية إلى أزمات متتالية عمّقت أزمة الثقة في المدرسة العمومية بالجهة.
اختلالات مالية وتلاعب في الصفقات
بحسب معطيات نقابية صادرة عن إسماعيل امرار، الكاتب الجهوي السابق للنقابة الوطنية للتعليم (FNE)، فإن الأكاديمية غرقت في خروقات جسيمة شابت تدبير الصفقات العمومية، شملت التغذية، التدفئة عبر توريد حطب الداخليات، الحراسة، النظافة، واللوجستيك.
كما تم تسجيل شبهات تلاعب في “طلبات الشراء” (bonnes de commande) وغموض كبير في تدبير مشاريع التربية الدامجة والتكوينات، ما فتح الباب أمام اتهامات باستغلال المنصب لتوزيع الريع الإداري والمالي.
تصفية الكفاءات مقابل تكريس الولاءات
على المستوى الإداري، اتُّهم المدير باتباع سياسة إقصائية للكفاءات وتعويضها بالموالين، ما تسبب في استقالات جماعية وطلبات إعفاء متزايدة، إضافة إلى إحباط موظفين رفضوا التباري على مناصب المسؤولية.
بل إن بعض رؤساء المصالح الجدد رفضوا توقيع محاضر تسليم المهام بسبب ما وصفوه بـ”روائح فساد” تنبعث من الملفات، وإحدى النماذج الصارخة تمثلت في موظف بمصلحة المالية رفض توقيع وثائق مشبوهة، وأصر على تسجيل ملاحظاته في المحضر الرسمي رغم تعرضه للتهديد.
وفي سابقة مثيرة للجدل، تم “احتجاز” دكتور من ذوي الإعاقة داخل مكتب ضيق محاط بأسلاك دون أي مهمة أو وسائل عمل، عقاباً له على رفضه تمرير ملفات اعتبرها “ملوثة” أثناء اشتغاله بمصلحة المراقبة المالية.
هذا السلوك أثار موجة استنكار واسعة، لكونه يشكل خرقاً للقانون والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، فضلاً عن كونه انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية.
القضاء يدخل على الخط… ثم الصمت
الملف لم يتوقف عند حدود النقاش النقابي والإعلامي، بل وصل إلى القضاء بعد إحالة رئاسة النيابة العامة شكايات موثقة على محكمة الاستئناف، ومنها إلى محكمة الجرائم المالية.
التحقيقات التي باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية انتهت بتقديم المدير أمام قاضي التحقيق، الذي قرر سحب جواز سفره ومنعه من مغادرة التراب الوطني، قبل أن يتم الإفراج عنه بكفالة مالية، غير أن الملف تجمد بشكل مفاجئ، وسط تساؤلات عن تدخل “جهات نافذة” لطي القضية.
ملاحقة النقابيين بدل الفاسدين
في خطوة وُصفت بالانتقامية، رفع المدير خمس دعاوى قضائية ضد النقابي إسماعيل امرار بتهمة “إهانة موظف عمومي أثناء مزاولة مهامه”، رغم أن الشهود موظفون تابعون له.
الأخطر من ذلك، تم توقيف أجرته بشكل غير قانوني رغم خضوعه لعملية قلب مفتوح، وهو ما اعتبره حقوقيون محاولة “اغتيال مهنية وإنسانية” لإسكاته.
انهيار تربوي في المؤشرات
النتائج التربوية للأكاديمية جاءت بدورها كارثية؛ إذ سجلت الجهة تراجعاً حاداً في مؤشرات محو الأمية، التربية الدامجة، محاربة الهدر المدرسي، تنفيذ المشاريع الوزارية.
بل وحتى في نسب النجاح بالباكالوريا والامتحانات الإشهادية، لتصبح الأكاديمية نموذجاً لـ”التخريب الممنهج” للمنظومة التعليمية، وفق تعبير فاعلين تربويين.
المدير يختفي.. والجهة تغلي
الأزمة بلغت ذروتها بداية غشت 2025، حين أقدم المدير على نقل أثاث منزله سراً عبر عمال أفارقة، ثم اختفى عن الأنظار، ومنذ 25 غشت، لم يلتحق بمكتبه، رغم عودة كافة المسؤولين الجهويين إلى عملهم، دون أن تقدم الأكاديمية أو الوزارة الوصية توضيحات رسمية حول أسباب هذا الغياب، وما إن كان الأمر يتعلق بإعفاء صامت، أو بانتظار قرارات تأديبية مرتبطة بالملفات المطروحة على الطاولة.
هذا الغياب فجّر أسئلة محرجة: كيف تمكّن من مغادرة التراب الوطني وهو ممنوع من السفر؟ هل تمت حمايته من جهات عليا؟ وهل ما زال يحتفظ بمسؤوليته أم أنه تم تهريبه إلى منصب آخر بعيداً عن المساءلة؟
وفي ظل هذه الاضطرابات، يدفع قطاع التربية والتكوين الثمن الأكبر، حيث تعيش العديد من المؤسسات التعليمية خصاصا في التجهيزات الأساسية، وتأخرًا في تنفيذ بعض المشاريع المعلنة ضمن برامج الدعم المدرسي ومحاربة الهدر. وهو ما يجعل أصوات الأسر والجمعيات الحقوقية ترتفع مطالبة بفتح تحقيق شفاف يضع النقط على الحروف.
تساؤلات تنتظر الأجوبة
يبقى السؤال المطروح: إلى متى ستظل الأكاديمية الجهوية لبني ملال خنيفرة رهينة الغموض والضبابية؟ وهل سيتدخل المجلس الأعلى للحسابات أو وزارة التربية الوطنية لإماطة اللثام عن الملفات المالية والإدارية الموصومة بالفساد؟ ثم ما مصير المدير “المختفي”، وهل سيتم الكشف عن حقيقة وضعه الإداري؟
وفي انتظار ذلك، تبقى الأكاديمية على صفيح ساخن، فيما يترقب الرأي العام الجهوي والوطني قرارات حاسمة قد تحدد مستقبل واحدة من أهم المؤسسات التربوية في المغرب.
تعليقات الزوار