هبة زووم – الرباط
في وقت تراهن فيه الدولة على إعادة تشكيل القطيع الوطني من الماشية، وإنعاش سلاسل الإنتاج الحيواني قصد مواجهة تقلبات السوق وخفض أسعار اللحوم، برزت معطيات ميدانية مثيرة للجدل تكشف وجود اختلالات عميقة تهدد مسار هذا المشروع الوطني الطموح.
فبين الإحصاء، والترقيم، وصرف الدعم، يبدو أن الخيط الرابط بين هذه العمليات الثلاث لا يزال هشاً، ما يفتح الباب أمام تفاوتات صارخة وتلاعبات محتملة.
الأمر لم يأت من فراغ، بل جاء بعد سؤال برلماني وُجه إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، يكشف فيه النائب رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، وقائع مقلقة رصدها خلال زيارات ميدانية إلى عدد من مناطق إقليم بولمان، حيث يعيش مربو الماشية وضعاً غير مسبوق بين نيران ارتفاع أسعار الأعلاف وغموض عمليات الإحصاء والترقيم.
ورغم الإعلان الرسمي عن برامج للدعم المباشر، إلا أن أثمان الأعلاف واصلت ارتفاعها بشكل قياسي، بفعل المضاربات والاحتكار واستغلال بعض التجار الكبار للطلب المتزايد.
وضعٌ أرهق الكسابة وأفقد الإجراءات الحكومية الكثير من أثرها الحقيقي، وجعل الدعم يبدو وكأنه يضيع في الطريق قبل أن يصل إلى جيوب المستحقين.
المعطى الأكثر خطورة يتعلق بمرحلة الترقيم بوضع الحلقات على رؤوس الماشية، وهي عملية أساسية لأنها تحدد بشكل مباشر مقدار الدعم الذي سيحصل عليه كل كساب.
لكن المفاجأة — كما يكشفها حموني — أن عدداً كبيراً من رؤوس الماشية التي خضعت للإحصاء لم تُرقَّم بدعوى “نفاد الحلقات”. وفي المقابل، حصل مربون آخرون على حلقات تفوق عدد ماشيتهم المحصية، في مشهد عبثي يقلب مبدأ العدالة رأساً على عقب، ويفتح أبواب الريبة حول شفافية العملية برمتها.
إذا كان الدعم يُصرف بناء على عدد الحلقات المثبتة، فإن الخلل في عملية الترقيم يعني ببساطة أن فلاحين سيحصلون على دعم أكبر مما يستحقون، بينما سيُقصى آخرون أو سيُقلّص حقهم بشكل ظالم.
الأمر لا يمسّ فقط جيوب الفلاحين، بل يطال مصداقية البرنامج الوطني لإعادة تشكيل القطيع، الذي اعتمدت الدولة عليه كخيار استراتيجي لمواجهة أزمة ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، يطرح السؤال البرلماني قضية جوهرية: أين هي المراقبة؟ كيف يمكن لبرنامج وطني ضخم، رُصدت له إمكانيات مالية مهمة، أن يُترك للتقديرات الميدانية غير المنضبطة؟ وأين هي آليات التتبع التي تربط بين الإحصاء والترقيم وصرف الدعم، حتى لا يتحول المشروع إلى مجرد أرقام على الورق؟
النائب رشيد حموني يدعو الوزارة إلى التحرك العاجل لإعادة الانسجام إلى هذا المسار، وتصحيح الاختلالات، وضمان استفادة عادلة وشفافة تتماشى مع نتائج الإحصاء الحقيقي.
فالمسألة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت قضية عدالة اجتماعية، ومصداقية حكومية، وحماية لمربي الماشية الذين يشكلون العمود الفقري للعالم القروي.
برنامج إعادة تشكيل القطيع الوطني مشروع استراتيجي لا يحتمل العبث ولا المجازفة، فالاختلالات التي رُصدت – سواء في إحصاء الماشية، أو في ترقيمها، أو في صرف الدعم – تهدد بتحويل مبادرة نبيلة إلى فوضى بيروقراطية، وتضييع المال العام، وفقدان ثقة الفلاحين.
وإذا لم تُتخذ إجراءات صارمة وعاجلة، فقد تجد الدولة نفسها أمام أزمة جديدة: قطيعٌ لا يتجدد، وسوقٌ لا يهدأ، ودعمٌ لا يصل إلى من يستحقه.
تعليقات الزوار