مراكش: كأس افريقيا ينظف المدينة من المشردين و”الشماكرية”

هبة زووم – علال الصحراوي
في مشهد يكاد يخرج من سيناريو فيلم ديستوبي، تعيش مدينة مراكش هذه الأيام حالة استنفار غير مسبوقة من طرف السلطات المحلية، ليس لمحاربة الأزبال أو إصلاح الاختلالات المزمنة، بل لـ“تنظيف” الشوارع من المشردين و”الشماكرية”، تزامنًا مع الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس إفريقيا.
المدينة، التي عجزت لسنوات عن تقديم حلول اجتماعية حقيقية لظاهرة التشرد، اكتشفت فجأة أن الشارع لم يعد يتسع للفقراء، وأن الأرصفة يجب أن تُفرغ، لا حمايةً للأرواح، بل حفاظًا على صورة الواجهة السياحية أمام الكاميرات والوفود القادمة.
العملية، التي تُنفّذ بحماس لافت، تقوم على تجميع المشردين ونقلهم إلى “مكان ما”، بلا توضيحات رسمية، ولا معطيات شفافة حول طبيعة هذا الإيواء، مدته، شروطه، أو مآله، فكل ما نعرفه أن هؤلاء اختفوا فجأة من المشهد، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من هذا الفضاء الحضري.
في انتظار انكشاف الحقيقة، يحق للمراقبين أن يطلقوا العنان للخيال: هل نحن أمام مراكز إيواء مؤقتة أم مجرد مستودعات بشرية تُفتح أبوابها فقط في مواسم التظاهرات الدولية؟ وهل سيُطالب المشردون لاحقًا تنظيم بطولات قارية كل سنة لضمان الحد الأدنى من الرعاية؟
السخرية المرة هنا أن الحكومة التي عجزت عن إدماج هؤلاء اجتماعيًا، استطاعت في أيام معدودة “إزاحتهم” من المشهد العام، لا لأن الحل وُجد، بل لأن المناسبة فرضت ذلك، وكأن الفقر جريمة موسمية، والتشرد عيب بصري يجب إخفاؤه مؤقتًا، لا معضلة اجتماعية تستوجب سياسات عمومية مستدامة.
الأسئلة الجوهرية تظل معلقة: هل نحن أمام مقاربة اجتماعية حقيقية أم مجرد عملية تجميل مؤقتة لمدينة لا تريد أن يرى ضيوفها الجانب الآخر من الواقع؟ وهل سيستمر هذا “الاهتمام” بعد إسدال الستار على كأس إفريقيا، أم سيعود المشردون، بهدوء، إلى أماكنهم المحجوزة على الأرصفة، بعد أن تنطفئ الأضواء وتغادر الكاميرات؟
التجارب السابقة لا تبعث على التفاؤل. ففي مدن كثيرة، يعود المشهد كما كان، وربما أسوأ، لأن المشكلة لم تُحل، بل أُجِّلت، والفرق الوحيد أن المدينة تكون قد ربحت صورًا جميلة، وخسرت مرة أخرى فرصة مواجهة الحقيقة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد