هبة زووم – الرباط
أثار تكريم مؤسسة الوسيط للأستاذ الحسين قضاض، المفتش العام لقطاع التربية الوطنية المكلف بالشؤون المالية والإدارية، خلال اللقاء المنظم في الرباط حول “إعداد التقارير السنوية للمخاطبين الدائمين: المنهجية، الإشكالات وآفاق التحسين”، موجة من الاستفهامات حول حدود اختصاصات المؤسسة ودورها الحقيقي.
هذا التكريم الذي وصفته المؤسسة بأنه تقدير لمسار إداري اتسم بالتعاون والتنسيق في معالجة تظلمات المرتفقين، لم يمر مرور الكرام، إذ تراه العديد من الأطراف خطوة تثير الشكوك حول حياد واستقلالية مؤسسة الوسيط التي يفترض أن تكون، وفق اختصاصاتها، ضامنة للإنصاف والعدالة، بعيدًا عن أي انحياز أو تقدير انتقائي.
ففي وقت كان من المتوقع أن تكون مؤسسة الوسيط رمزًا للعدالة في تعاطيها مع التظلمات، جاء تكريم الحسين قضاض ليعيد طرح تساؤلات حول الدور الذي تؤديه المؤسسة، وهل أصبحت جزءًا من لعبة سياسية أو تخضع لضغوطات معينة.
ورغم أن البلاغ الرسمي الصادر عن مؤسسة الوسيط وصف التكريم بأنه اعتراف بمسار إداري مهني يراعي حقوق المرتفقين، إلا أن انتقادات واسعة وجهت للمؤسسة معتبرةً أن تكريم مسؤول إداري ما يزال محط جدل واتهامات في العديد من القضايا التي تخص قطاع التعليم، وخاصة تلك التي تم التحقيق فيها من قبل الجهات القضائية، يضع مؤسسة الوسيط في موقف قد يُفهم منه انحيازٌ للمسؤولين، وهو ما يتناقض مع مبدأ الحياد الذي يفترض أن يطبع عملها.
علاوة على ذلك، أثيرت عدة قضايا مرتبطة بمرحلة المخطط الاستعجالي لقطاع التعليم، والتي شكلت أساسًا لعدد من الشكايات المرفوعة إلى النيابة العامة.
وقد أسندت للفرقة الوطنية للشرطة القضائية مهام التحقيق في العديد من الملفات المرتبطة بهذه الفترة، مما يجعل من غير الملائم أن تُمنح جائزة أو تكريم لمسؤول إداري مرتبط بهذه التحقيقات.
ودخل على خط هذا التكريم، الباحث التربوي والمدير السابق لمندوبية التعليم بالقنيطرة، أحمد كيكش، الذي تفاعل مع الحدث بتدوينة قال فيها: على أن “الحيادية هي أهم قيم إشاعة ثقافة الوساطة المؤسساتية المستقلة والناجعة”.
وأشار كيكيش إلى أن مثل هذه المبادرات قد تُفهم على أنها خروج عن الاختصاصات الأصلية لمؤسسة الوسيط، التي يفترض أن تظل فضاءً لتلقي التظلمات والوساطة بين الإدارة والمرتفقين، بعيدًا عن أي ممارسات قد توحي بالتقدير الانتقائي لمسؤولين إداريين.
وأضاف كيكش أن التكريم في هذا التوقيت قد يضعف من مصداقية المؤسسة ويثير الشكوك حول حيادها، خصوصًا في ظل الوضع القضائي المرتبط ببعض المسؤولين في قطاع التعليم.
وفي سياق متصل، يطرح هذا التكريم تساؤلات جدية حول حياد مؤسسة الوسيط في تعاطيها مع الملفات الحساسة التي قد تشكل موضعًا للتحقيقات القضائية، ويثير القلق حول مدى قدرتها على الحفاظ على استقلاليتها أمام القوى المؤثرة.
فالمبادرة التي قامت بها مؤسسة الوسيط بمنح هذا التكريم قد تكون بداية لتحول في أدوار المؤسسة، حيث أضحى السؤال المطروح: هل سيتحول دور مؤسسة الوسيط من هيئة وساطة محايدة إلى فاعل مؤسساتي قد يتخذ قرارات تقديرية تتجاوز حدود اختصاصاته؟
وهنا تكمن الخطورة، فالمؤسسة التي يجب أن تظل نموذجًا للاستقلالية والنزاهة، قد تجد نفسها وقد تم اختراق هذه المبادئ، إن لم يكن قد تم تسييسها بشكل غير مباشر.
والخطورة الأكبر تكمن في أن مثل هذه المبادرات تفتح المجال لتشكيك في دور مؤسسة الوسيط في المستقبل، ما قد يؤثر على مصداقيتها ويعزز الانطباع بأنها لم تعد تشكل أي نوع من الحماية الحقيقية للمواطنين في مواجهة القرارات الإدارية المشبوهة، كما أن القوى السياسية قد تستخدم مثل هذه المؤسسات لأغراضها الخاصة، مما يساهم في تقويض مصداقيتها في نظر الجمهور.
ويطرح هذا المشهد سؤالًا جوهريًا: هل مؤسسة الوسيط تعمل لمصلحة المواطنين ومبادئ العدالة الإدارية؟ أم أنها دخلت في دائرة المصالح الشخصية والتقديرات الانتقائية؟
هنا يجب على مؤسسة الوسيط، بحكم موقعها، أن تبتعد عن أي تصرف قد يُفهم على أنه منحاز أو موجه لخدمة مصالح فئة معينة على حساب مصلحة الشعب، ويجب عليها أن تلتزم بمبدأ الحياد الكامل في ممارساتها.
ومع مرور الوقت، تزداد الأصوات المطالبة بفتح النقاش الجاد حول دور مؤسسة الوسيط وكيفية تعزيز استقلاليتها، فالاستمرار في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات التي يفترض بها أن تحمي حقوق المواطنين وتدافع عن العدالة والمساواة.
وبالعودة إلى سابقة تكريم الحسين قضاض، يبقى السؤال: هل هي مجرد خطوة عابرة أم بداية لتحول جوهري في وظيفة مؤسسة الوسيط؟
تعليقات الزوار