هبة زووم – ياسر الغرابي
في تطور يثير الاستغراب والاستنكار، وُجهت اتهامات خطيرة إلى مركز الدرك الملكي برأس العين، التابع لسرية اليوسفية، مُستخدمةً عبارة “ساكنة قيادة رأس العين” كمرجعية لانتقاد ما وُصف بـ”السدود القضائية المبالغ فيها” على الطريق الجهوية الرابطة بين آسفي ومراكش.
لكن الحقيقة التي كشفتها التحريات كانت صادمة: الساكنة نفسها تنفي هذه الانتسابات، فعند التواصل مع ممثليها، أكدوا قطعياً أن “هذا الموضوع لم يتم تداوله بشكل نهائي”، وأن السكان “لا دخل لهم في أداء عناصر الدرك الملكي للمهام المنوطة بهم”.
بل على العكس، دافعوا عن دور السدود القضائية في الحد من “حرب الطرقات” التي أزهقت أرواحاً بريئة، ولا تزال ذاكرة المنطقة تحمل جراحاً وندوباً من حوادث متتالية.
هنا يطرح السؤال الجوهري بقوة: إذا كانت الساكنة تنفي هذه الاتهامات، فمن يملك الحق في التحدث باسمها؟ ولماذا؟
لا يُنكر أحد حق الإعلام في نقد المؤسسات ومراقبة أدائها، هذا من صميم الدور الرقابي للصحافة في أي مجتمع ديمقراطي، لكن هذا الحق يقابله واجب أخلاقي وقانوني لا يقل أهمية: الدقة في النسب، والشفافية في المصادر، والنزاهة في الطرح.
فحين تُصدر منصة إعلامية اتهامات جسيمة ضد مؤسسة أمنية، مُستندة إلى “الساكنة” كمصدر، ثم يتبين أن هذه الساكنة تنفي هذه الانتسابات، فإننا لا نتحدث عن “خطأ مهني عابر”، بل عن ممارسة تُضعف الثقة في الإعلام المحلي ككل.
هذا التباين ليس مجرد “فارق تقني”، بل هو فارق جوهري بين إعلام مسؤول يسعى لتحسين الأداء العام، وإعلام يُستخدم كأداة في صراعات لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
ويدافع ممثلو الساكنة عن دور مركز الدرك الملكي برأس العين، مؤكدين أن السدود القضائية ساهمت في تقليص حوادث السير القاتلة على الطريق الجهوية آسفي-مراكش، والقبض على المبحوث عنهم عبر عمليات التنقيط الأمنية، ورصد مخالفات السرعة بالردار اليدوي وردع المتهورين، والتصدي لعمليات التهريب ومنع نقل المواد منتهية الصلاحية، وضبط نقل اللحوم نحو مراكش دون التراخيص القانونية.
هذه الإنجازات، الموثقة بإحصائيات لدى القيادة الجهوية، تجعل من الصعب فهم الانتقادات الموجهة ضد المركز، إلا إذا كانت تُعبّر عن مصلحة خاصة تتضرر من ضبط القانون، وليس عن قلق عام على حقوق المواطنين.
والسؤال المحرج: لماذا لا تُعلن الجهة المنتقدة عن أدلتها؟ إذا كانت الانتقادات تعبر فعلاً عن رأي الساكنة، فلماذا لا تُوقع باسم أصحابها الحقيقيين؟
ما يحدث في قضية الدرك برأس العين ليس حالة معزولة، فكثيراً ما نلاحظ في الإعلام المحلي ظاهرة “استعارة” اسم الساكنة أو الرأي العام لتضخيم آراء فردية أو أجندات خاصة.
هذه الممارسة، وإن كانت قد تنجح في لفت الانتباه على المدى القصير، فإنها على المدى الطويل تُضعف مصداقية الإعلام حين يكتشف القارئ أن “الرأي العام” المُستشهد به لا يعكس واقعاً فعلياً، وتُشوه مفهوم النقد البناء حين يتحول النقد من أداة للإصلاح إلى سلاح في صراعات شخصية، وتُضر بالمؤسسات العمومية حين تُوجه اتهامات بلا دليل تمس بمعنويات من يسهرون على أمن المواطنين.
تعليقات الزوار