هبة زووم – الرباط
في زمن يُصبح فيه الخطاب الرسمي أحياناً بعيداً كل البعد عن واقع المواطن، جاءت تصريحات الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن بالمغرب، التي أكدت على تزويد السوق الوطنية بلحوم الدواجن وبيض الاستهلاك خلال شهر رمضان بشكل متواصل ومنتظم وبكميات كافية، لتُعيد إلى الواجهة سؤالاً محوريا: إذا كانت الوفرة حقيقة مُطلقة فلماذا لا تزال الأسعار تُنهِك جيوب المغاربة؟ وأي استقرار هذا الذي يتحدث عنه المهنيون بينما يدفع المواطن 1.50 درهم للبيضة الواحدة وقرابة 20 درهماً للكيلوغرام من الدجاج؟
مثل مصري قديم يقول: “أسمع كلامك أصدقك، وأشوف أفعالك أستعجب”، فاليوم أمام كلام الفيدرالية عن وفرة مضمونة وأسعار مستقرة، ينظر المواطن إلى فعل السوق فيجد نفسه أمام واقع مُختلف تماماً: وفرة على الأرفف لكن بأسعار لا تُطيقها القدرة الشرائية.
مشهد لا يُثير فقط الاستغراب، بل يطرح سؤالاً جوهريا: من يربح في معادلة الوفرة بأسعار مرتفعة؟ وأي سياسة فلاحية هذه التي تُحقق نجاح العرض على حساب راحة المستهلك؟
هذا، وأوضحت الفيدرالية أن مؤشرات السوق تُظهر أن الكميات الموجهة للاستهلاك تم التخطيط لها مسبقاً للاستجابة لذروة الطلب خلال رمضان، مؤكدة تموين مختلف قنوات التوزيع بشكل منتظم، دون تسجيل أي نقص على المستوى الوطني.
لكن هذا النجاح اللوجستي يطرح إشكاليات جوهرية، فإذا كانت الوفرة مضمونة فلماذا لا تنعكس على انخفاض الأسعار كما يفترض في قوانين العرض والطلب؟ وأين هي آليات مراقبة هوامش الربح التي تمنع تحويل الوفرة إلى فرصة لرفع الأرباح على حساب المستهلك؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق في خطاب الوفرة بينما يجد نفسه مضطراً لدفع أسعار تُقارب 20 درهماً للدجاج و1.50 درهم للبيضة؟
فتحويل نجاح سلسلة الإنتاج من فرصة لراحة المواطن إلى ورشة أرباح للفاعلين لا يُهدر فقط القدرة الشرائية، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة بالسوق التي تُقدم أرباح المهنيين على حقوق المستهلكين.
وتابعت الفيدرالية أن وفرة المنتجات رافقت حالة من الاستقرار النسبي في الأسعار، مع تسجيل بعض التغيرات المحدودة في بعض المسارات، خصوصاً على مستوى المساحات التجارية الكبرى.
هذا التعريف المرن للاستقرار يطرح أسئلة محرجة، ما هو معيار الاستقرار الذي تعتمد عليه الفيدرالية: ثبات السعر المرتفع؟ أم انخفاضه ليصبح في متناول الجميع؟ ولماذا لا تُعلن الفيدرالية عن سلّة أسعار مرجعية تُقارن فيها أسعار رمضان بأسعار الأشهر العادية، لضمان شفافية المقارنة؟ وكيف يمكن الحديث عن استقرار بينما يجد المواطن نفسه أمام فاتورة شراء الدواجن والبيض تُشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانيته الرمضانية؟
فتحويل الاستقرار السعري من هدف لحماية المستهلك إلى تبرير للأسعار المرتفعة لا يُهدر فقط ثقة المواطنين، بل يُعمّق شعورهم بالاستغلال المؤسسي الذي يُحوّل المناسبات الدينية من فرح عائلي إلى عبء مالي.
كما أثبت نموذج عقود البرامج المعتمد في القطاع الفلاحي بالمغرب – بحسب الفيدرالية – متانة قطاع الدواجن وقدرته على الصمود، بدليل ما شهدته عدة دول أوروبية من ارتفاع كبير في أسعار البيض، بينما تمكنت السوق الوطنية من تلبية الطلب المرتفع خلال رمضان دون اضطرابات.
هذه المقارنة الدولية تطرح إشكاليات استراتيجية: لماذا لا تُقارن الفيدرالية أسعار المغرب بأسعار أوروبا أيضاً، لضمان مقارنة شاملة وليس انتقائية؟ وأين هي فوائد عقود البرامج للمستهلك، إذا كانت تُترجم فقط في وفرة العرض دون عدالة السعر؟ وكيف يمكن ضمان توازن السلسلة بينما يبدو أن المربي و”الموزع” يربحان، و”المستهلك” هو من يدفع الثمن؟
إن تحويل “عقود البرامج” من “أداة لتنمية شاملة” إلى “ضمان لأرباح الفاعلين” لا يُهدر فقط العدالة الاجتماعية، بل يُرسّخ ثقافة “النجاح على حساب الضعيف” التي لطالما عانت منها السياسات الفلاحية في المغرب.
وأكدت الفيدرالية أن القطاع يشتغل في سياق يتسم بعدة عوامل ضغط، من بينها تقلبات مناخية وأزمة الأعلاف، ورغم ذلك عمل الفاعلون على امتصاص جزء من هذه التكاليف الإضافية لتحسين طرق الإنتاج، فهذا الادعاء بالتضحية يطرح سؤالاً جوهريا: إذا كان المهنيون قد امتصوا جزءاً من التكاليف فمن امتص الجزء الأكبر؟ الجواب يبدو واضحاً: المواطن الذي يدفع فاتورة الأسعار المرتفعة.
اليوم، لم يعد مقبولاً أن يُترك المواطن رهينة فجوة الخطاب والواقع في قطاع الدواجن، فما يحتاجه المستهلكون والمهتمون بالشأن الاقتصادي هو شفافية واضحة في تسعير الدواجن والبيض، مع نشر هيكل التكلفة الكامل من الضيعة إلى رف التقسيط، لضمان حق المواطن في المعرفة، مع مراجعة هوامش الربح في سلسلة التوزيع، مع وضع سقوف قصوى للربح في المناسبات الدينية لمنع “المضاربة الموسمية.
فما يعيشه المغاربة مع ملف الدواجن والبيض في رمضان 2026 ليس تقلّباً موسمياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الفلاحية وقدرة القطاع على تجاوز عقلية الربح السريع لخدمة المصلحة العامة.
واليوم، أصبح لزاما على السلطات والفيدرالية التحرك بجدية لضمان وفرة بأسعار عادلة، ومحاسبة من يثبت تورطه في المضاربة غير المبررة، وضمان شفافية سلسلة التكاليف، وإما أن تستمر ثقافة الوفرة بأسعار مرتفعة التي تُحوّل نجاح الإنتاج من فرصة لراحة المواطن إلى ورشة أرباح على حساب قدرته الشرائية، فالمواطن في الأخير ليس متفرجا على خطابات الوفرة بينما تُنهِك أسعارها جيوبه.
تعليقات الزوار