هبة زووم – حسن لعشير
في وقت تُراهن فيه مدينة تطوان على إعادة هيكلة قطاعها الحرفي وتنظيم المهن المزعجة، يظل مشروع منطقة الأنشطة الاقتصادية والحرفية بمكويلما حبيس الأدراج، رغم مرور أربع سنوات على الإعلان عنه بحضور رسمي رفيع المستوى.
مشروع ضخم بكلفة إجمالية تبلغ 126 مليون درهم، ساهم فيها مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة بـ60 مليون درهم، لم ير النور حتى اليوم، مما يثير تساؤلات مشروعة حول مصير الأموال العمومية ومستقبل مئات الحرفيين الذين ينتظرون فضاءً لائقاً لمزاولة أنشطتهم.
مشروع استراتيجي ووعود كبرى
كُشف عن المشروع لأول مرة أمام أنظار والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة يونس التازي، بحضور رئيس مجلس الجهة عمر مورو، وعامل إقليم تطوان، والمدير العام لوكالة إنعاش وتنمية أقاليم الشمال، ورئيس المجلس الإقليمي، ورئيس جماعة تطوان.
وقُدّم حينها كمشروع استراتيجي يندرج ضمن البرنامج الوطني لتنمية التشغيل والاستثمار بالمدينة، يقام على مساحة تناهز 5 هكتارات، ويضم أكثر من 100 وحدة مهنية وصناعية صغيرة بمساحات متنوعة.
الهدف المعلن كان واضحاً: إعادة تنظيم الحرف المهنية، خاصة المهن المزعجة مثل النجارة، الحدادة، الميكانيك، الصباغة الصناعية، وإصلاح السيارات، ونقلها من داخل الأحياء السكنية إلى فضاء مهني منظم ومجهز، مما يحد من الاحتكاك مع الساكنة بسبب الضجيج أو الروائح أو الاستغلال غير الملائم للملك العام.
أربعة أعوام من الصمت وأموال عمومية في الانتظار
رغم الأهمية الاقتصادية والاجتماعية المعلنة للمشروع، ورغم المساهمة المالية الكبيرة لمجلس الجهة (60 مليون درهم)، إلا أن المشروع لم يتجاوز مرحلة الأوراق حتى اليوم.
مصادر موثوقة من غرفة الصناعة التقليدية لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة أكدت لـ”هبة زووم” أن المشروع وُضع في خبر كان، دون توضيح رسمي للأسباب الكامنة وراء هذا التجميد.
هذا الغياب للتواصل الرسمي حول مصير المشروع أثار جدلاً واسعاً بين الجمعيات المدنية التي تتابع الشأن المحلي، وبين الحرفيين والصناع التقليديين بمدينة تطوان، الذين يتساءلون عن مآل مشروع كان من المفترض أن يغير واقعهم المهني ويحسن ظروف عملهم.
أسئلة الحرفيين المشروعة وانتظار جواب رسمي
في ظل غياب بلاغ توضيحي من الجهات المشرفة، يطرح الحرفيون والمعنيون بالمشروع مجموعة من التساؤلات التي تستحق إجابة شفافة: ما هو التاريخ الرسمي والمعلن لانطلاق أشغال التهيئة؟ وما هي الجهة المسؤولة عن تدبير المشروع: هل هي جماعة تطوان، أم مجلس الجهة، أم وكالة تنمية أقاليم الشمال، أم شركة التنمية المحلية؟ ومتى سيتم فتح باب إيداع طلبات الاستفادة من المحلات المهنية؟ وما هي المعايير المعتمدة لانتقاء المستفيدين؟ وهل سيتم إعطاء الأولوية للحرفيين المزاولين للمهن المزعجة داخل الأحياء السكنية؟
المشروع ليس مجرد محلات بل رؤية تنموية متكاملة
لا يقتصر أهمية مشروع مكويلما على بناء وحدات مهنية فحسب، بل يرتبط برؤية أعمق تشمل إعادة هيكلة قطاع حرفي كامل داخل مدينة تطوان، وتحسين ظروف عمل الحرفيين، وحماية الأحياء السكنية من الأنشطة المزعجة.
كما يجب أن يشمل خلق فرص شغل جديدة، وإدماج القطاع الحرفي في الدورة الاقتصادية المنظمة، تماشياً مع البرنامج الوطني للنهوض بقطاع التشغيل والاستثمار الخاص.
الشفافية ليست خياراً بل واجب مؤسساتي
في ظل غياب أي توضيح رسمي، يظل الباب مفتوحاً أمام الإشاعات والشكوك، مما يضر بمصداقية المؤسسات ويؤجج احتقان الحرفيين الذين ينتظرون منذ أربع سنوات. والمشروع بحجمه وأهميته الاجتماعية والاقتصادية، يستحق أكثر من صمت.
لذلك، فإن الحرفيين والجمعيات المدنية لا يطالبون اليوم سوى بإصدار بلاغ توضيحي رسمي يكشف عن خلفيات تأخر المشروع والأسباب الحقيقية وراء تجميده، والجدولة الزمنية الجديدة لإنجازه، ومعايير انتقاء المستفيدين وآليات ضمان الشفافية.
الحرفيون ينتظرون والمصداقية تُقاس بالأفعال
مشروع منطقة مكويلما بتطوان ليس مجرد ملف تقني، بل هو اختبار حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولقدرة المؤسسات على التواصل الشفاف مع المواطنين، فالحرفيون الذين أُسس المشروع من أجلهم لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون جواباً واضحاً على أسئلتهم المشروعة.
فإن كان المشروع مازال مبرمجاً، فليُعلن عن ذلك بوضوح وتُحدد مواعيد إنجازه. وإن كان قد أُلغي أو أُعيد توجيهه، فليُشرح للمعنيين أسباب هذا القرار، وفي كل الأحوال، الصمت ليس خياراً عندما يتعلق الأمر بمشروع عمومي بكلفة 126 مليون درهم، وبمستقبل مئات الأسر الحرفية.
الأمل يبقى معقوداً على أن تخرج الجهات المشرفة على المشروع ببلاغ توضيحي يضع الرأي العام المحلي، وخاصة الحرفيين، أمام كل المعطيات الحقيقية، تكريساً لمبدأ الشفافية، وضماناً لتكافؤ الفرص بين جميع المهنيين الراغبين في الاستفادة من هذا المشروع التنموي الهام.
تعليقات الزوار