أخنوش في البرلمان: حين يتحول “الدفاع عن الحصيلة” إلى شماعة لتبرير الفشل

هبة زووم – الرباط
في مشهد سياسي يعيد إنتاج نفس الأسطوانة التي ملّها المغاربة، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن يحوّل جلسة مساءلته داخل قبة البرلمان إلى منصة لتصفية الحسابات مع الماضي، بدل تقديم أجوبة دقيقة حول حاضر يزداد تعقيداً.
خطاب حاد، نعم… لكن حدّته لم تكن موجّهة نحو الأزمة، بل نحو خصوم سياسيين، في محاولة بدت أقرب إلى “الهروب إلى الأمام” منها إلى تحمل المسؤولية.
أخنوش، وهو يتحدث عن أزمة الماء، لم يتردد في تحميل الحكومات السابقة، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية، مسؤولية ما وصفه بـ”سوء التقدير”، وكأن ثلاث سنوات من تدبير حكومته لم تكن كافية على الأقل لتوضيح معالم الحل، أو لتقديم حصيلة ملموسة تقطع مع منطق التبرير.
لا أحد ينكر أن المغرب يواجه تحديات مائية حقيقية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يكفي استحضار “إرث عشر سنوات” لتبرير وضعية حالية توصف بالحرجة؟ وهل يعقل أن تظل الحكومة الحالية أسيرة خطاب الماضي، في وقت ينتظر فيه المواطن إجراءات آنية ونتائج ملموسة؟
حديث أخنوش عن اقتراب مدينتي الرباط والدار البيضاء من “العطش” لولا تدخلات مستعجلة، قد يبدو للبعض إنجازاً، لكنه في العمق اعتراف خطير بأن تدبير الأزمة يتم بمنطق “إطفاء الحرائق”، لا بمنطق التخطيط الاستباقي الذي طالما رُفع كشعار.
واستعرض رئيس الحكومة سلسلة من المشاريع، من تحلية مياه البحر إلى بناء السدود والربط المائي بين الأحواض، لكن الإشكال لا يكمن في الإعلان عن المشاريع، بل في سؤال النجاعة والسرعة والعدالة المجالية في التنفيذ.
فهل يشعر المواطن البسيط، خاصة في المناطق القروية، بأي أثر لهذه “الطفرة” المعلنة؟ أم أن هذه المشاريع تظل أرقاماً تُعرض في البرلمان، دون أن تنعكس على الواقع اليومي لملايين المغاربة الذين يعانون من ندرة الماء وارتفاع كلفته؟
المفارقة الصارخة في خطاب أخنوش تكمن في تأكيده على “تحييد ملف الماء عن التجاذبات السياسية”، بينما كان خطابه نفسه مشحوناً برسائل سياسية مباشرة ضد خصومه، وهو تناقض يعكس أزمة أعمق: غياب انسجام بين الخطاب والممارسة.
ثم ماذا عن المسؤولية الحالية؟ أليست الحكومة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتقديم حصيلة دقيقة وشفافة، بدل الاكتفاء بتوزيع الاتهامات؟ أم أن منطق “وجدنا الوضع صعباً” سيظل المبرر الجاهز لكل تعثر؟
ما خرج به المغاربة من هذا النقاش ليس رؤية واضحة لحل أزمة الماء، بل إعادة تدوير لخطاب سياسي تقليدي يقوم على تحميل المسؤولية للآخرين، وتقديم الوعود بدل النتائج.
اليوم، لم يعد النقاش يدور حول “من أخطأ في الماضي”، بل حول “من يملك الحل في الحاضر”. وأمام أزمة مائية تهدد الأمن الاستراتيجي للبلاد، فإن ترف تبادل الاتهامات لم يعد مقبولاً.
أخنوش وحكومته أمام اختبار حقيقي: إما الانتقال من خطاب التبرير إلى منطق الإنجاز، أو الاستمرار في دوامة سياسية تُهدر الوقت… بينما الماء ينفد، وصبر المواطنين ينفد معه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد