بين بركة وبايتاس.. صراع الروايات يكشف غموض ملف دعم المواشي

هبة زووم – محمد خطاري
عاد ملف دعم استيراد الأغنام إلى واجهة النقاش العمومي، ليس بسبب نتائجه أو أثره على السوق، بل بفعل التناقض الصارخ في تصريحات المسؤولين الحكوميين، ما حوله إلى نموذج حي لارتباك التواصل السياسي داخل الحكومة.
الشرارة الأولى لهذا الجدل أطلقها نزار بركة، الذي تحدث في وقت سابق عن استفادة مستوردي الأغنام من دعم عمومي ضخم يصل إلى 13 مليار درهم، معتبراً أن جزءاً من هذه الأرباح “غير أخلاقي” ويطرح علامات استفهام حول شفافية تدبير هذا الملف الحساس.
غير أن هذا الرقم لم يمر دون رد، إذ خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، لينتقد بشدة ما وصفه بـ”ترويج أرقام مغلوطة”، مؤكداً أن الكلفة الحقيقية لا تتجاوز 437 مليون درهم، مستنداً إلى معطيات رسمية، ومتهماً مروجي الأرقام الكبيرة بـ”التشويش” و”تزييف الحقائق”.
هذا التباين الحاد في الأرقام لم يقف عند هذا الحد، بل تعزز بتصريحات متضاربة داخل نفس الأغلبية الحكومية. فقد دعم رياض مزور موقف بركة، مشيراً إلى أن عدد المستوردين محدود جداً، ما يثير شبهات احتكار، في حين نفى رشيد الطالبي العلمي هذه المعطيات، مؤكداً أن عدد المستوردين يصل إلى 100، وأن حجم الدعم أقل بكثير مما يتم تداوله.
وسط هذا التضارب، حاولت وزارة الفلاحة وضع حد للجدل، بإعلان أن كلفة الدعم المرتبطة باستيراد الأغنام خلال موسمي عيد الأضحى لسنتي 2023 و2024 بلغت 437 مليون درهم.
غير أن هذا التوضيح بدوره لم ينهِ الجدل، بل زاد من تعقيده، كونه يهم فقط فترة محددة، دون الكشف عن الكلفة الإجمالية لباقي عمليات الاستيراد خارج هذه المناسبة.
الإشكال هنا لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بغياب خطاب حكومي موحد ومتماسك. فحين يقدم وزير رقماً، ويكذبه ناطق رسمي، ثم تتدخل أطراف أخرى داخل الحكومة بأرقام مختلفة، فإن النتيجة الحتمية هي إرباك الرأي العام، وتآكل الثقة في المعطيات الرسمية.
هذا الارتباك يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام سوء تنسيق داخل الحكومة، أم أمام صراع خفي بين مكوناتها يُدار عبر الإعلام؟ وفي كلتا الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هو المواطن، الذي يجد نفسه أمام روايات متناقضة، دون القدرة على التمييز بين الحقيقة والتوظيف السياسي.
إن ملف دعم استيراد الأغنام، الذي يفترض أن يكون أداة لضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية، تحول إلى عنوان لغياب الشفافية، ومرآة تعكس خللاً في الحكامة والتواصل. فبدل تقديم معطيات دقيقة وشاملة، تُرك المجال لتضارب الأرقام، ما فتح الباب أمام التأويلات وفقدان الثقة.
في النهاية، لا يكفي نفي رقم أو مهاجمة مروجيه، بل المطلوب هو كشف الحقيقة كاملة، بالأرقام المفصلة، وبمنطق الشفافية والمساءلة. لأن معركة الأرقام، حين تُدار بهذا الشكل، لا تنتج وضوحاً… بل مزيداً من الغموض.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد