هبة زووم – أزيلال
لم تكن الاحتجاجات التي شهدها دوار “ألمسا” بجماعة تفني بإقليم أزيلال مجرد محطة عابرة في سجل المطالب الاجتماعية بالمنطقة، بل شكلت مؤشراً جديداً على حجم التراكمات التنموية التي ما تزال تثقل كاهل عدد من الدواوير والمناطق الجبلية بالإقليم، رغم سنوات من البرامج والمخططات والوعود الرسمية.
فخروج الساكنة في مسيرة احتجاجية نحو مقر العمالة لم يكن وليد لحظة انفعال أو رد فعل ظرفي، بل نتيجة شعور متزايد بأن العديد من الملفات الأساسية ظلت تراوح مكانها، وفي مقدمتها وضعية البنيات الطرقية التي تشكل شريان الحياة بالنسبة للساكنة، خاصة في المناطق الجبلية التي تعاني أصلاً من الهشاشة والعزلة.
ورغم أن السلطات العمومية تدخلت لمنع المسيرة استناداً إلى قرار إداري، فإن جوهر القضية لم يكن في المسيرة نفسها، بل في الأسباب التي دفعت المواطنين إلى التفكير في الاحتجاج أصلاً. فحين يختار سكان دواوير جبلية قطع المسافات سيراً على الأقدام لإيصال صوتهم، فإن ذلك يعكس حجم الإحساس بالتهميش أكثر مما يعكس مجرد خلاف حول ملف تقني أو مطلب ظرفي.
صحيح أن الاجتماع الذي جمع ممثلي الساكنة بمسؤولي العمالة أسفر عن تقديم تطمينات ووعود بالتدخل لإصلاح الطريق المتضررة، كما شهد نقاشاً حول بعض الإشكالات المرتبطة بالتعمير والبناء بالعالم القروي، غير أن التجارب السابقة تجعل الكثير من المواطنين يتعاملون بحذر مع مثل هذه الوعود، خاصة أن الإقليم عرف خلال السنوات الماضية عشرات الاجتماعات واللقاءات التي انتهت إلى التزامات مماثلة دون أن تنعكس دائماً بالسرعة المطلوبة على الواقع الميداني.
وتطرح هذه التطورات سؤالاً جوهرياً: لماذا لا تتحرك الملفات إلا بعد خروج الساكنة للاحتجاج؟ ولماذا يتحول الحوار إلى أداة للتدخل بعد انفجار الأوضاع بدل أن يكون آلية استباقية لمعالجة المشاكل قبل وصولها إلى الشارع؟
فالطريق التي قيل إنها تضررت بفعل التساقطات المطرية لم تتعرض للضرر بين ليلة وضحاها، كما أن مطالب الساكنة المتعلقة بفك العزلة وتحسين شروط العيش ليست جديدة، بل هي مطالب مطروحة منذ سنوات في عدد من الجماعات الجبلية التابعة للإقليم.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن ما وقع في تفني يعكس في العمق أزمة تنموية أكثر منه أزمة تواصلية. فالمواطن لا يبحث عن البلاغات ولا عن لغة التطمينات، بل عن طريق صالحة للاستعمال، وخدمات أساسية، ومشاريع قادرة على تحسين حياته اليومية.
كما أن الاحتجاجات الأخيرة تعيد طرح الأسئلة حول حصيلة البرامج التنموية التي استفاد منها الإقليم خلال السنوات الماضية، وحول مدى انعكاس الاعتمادات المالية المرصودة على الواقع المعيشي للساكنة، خصوصاً في المناطق التي ما تزال تعاني من العزلة وضعف البنيات الأساسية.
واليوم، قد تكون السلطات نجحت في احتواء الاحتجاج وفض المسيرة عبر الحوار وفتح قنوات التواصل مع ممثلي الساكنة، غير أن النجاح الحقيقي لن يقاس بعودة المحتجين إلى منازلهم، بل بمدى تنفيذ الوعود التي قدمت لهم على أرض الواقع.
ففي أزيلال، كما في العديد من الأقاليم الجبلية، لم تعد الساكنة في حاجة إلى وعود جديدة بقدر حاجتها إلى إنجازات ملموسة. أما إذا بقيت الالتزامات حبيسة الاجتماعات والمحاضر، فإن الاحتقان الذي تم احتواؤه اليوم قد يعود غداً بشكل أقوى، لأن التنمية المؤجلة لا تصنع الاستقرار، والوعود وحدها لا تعبّد الطرق ولا تنهي معاناة المواطنين.
تعليقات الزوار