ميناء الدار البيضاء.. بوابة الاقتصاد الوطني أم مستنقع لمعاناة السائقين المهنيين؟

هبة زووم – الدار البيضاء
لم يعد ميناء الدار البيضاء بالنسبة لآلاف السائقين المهنيين مجرد فضاء لعبور البضائع وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق، بل تحول في نظر العديد منهم إلى عنوان يومي للمعاناة والاستنزاف والإحساس بالتهميش، في مشهد يطرح أسئلة حقيقية حول واقع الحكامة داخل واحد من أهم المرافق الاقتصادية بالمملكة.
فالبيان الصادر عن النقابة الوطنية لقطاع النقل الطرقي للبضائع لا يقرأ فقط باعتباره احتجاجاً قطاعياً عادياً، بل يكشف عن صورة مقلقة لأوضاع مهنية وإنسانية باتت تتفاقم داخل الميناء دون أن تجد، إلى حدود اليوم، حلولاً جذرية قادرة على إنهاء حالة الاحتقان المتنامية في صفوف السائقين.
من غير المقبول أن يقضي سائقون مهنيون ساعات طويلة وسط طوابير الانتظار بسبب بطء إجراءات المراقبة والوزن والشحن والتفريغ، في وقت يفترض فيه أن يكون الميناء واجهة للنجاعة والسرعة والانسيابية. فكل دقيقة ضائعة داخل الميناء تتحول إلى خسارة اقتصادية مباشرة للسائق وللمقاولة وللاقتصاد الوطني ككل.
الأخطر من ذلك أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالجوانب التنظيمية، بل امتدت إلى شروط العمل الأساسية التي يفترض أن تكون بديهية داخل أي مرفق اقتصادي حديث.
فكيف يمكن الحديث عن تحديث الموانئ والرقمنة واللوجستيك المتطور، بينما يشتكي المهنيون من غياب مرافق صحية لائقة، ونقص مياه الشرب، وغياب فضاءات تحفظ كرامتهم أثناء ساعات الانتظار الطويلة؟
إن المفارقة الصادمة تكمن في أن ميناء الدار البيضاء يمثل القلب النابض للتجارة الوطنية، لكنه في الوقت نفسه يعجز عن توفير الحد الأدنى من شروط الراحة والسلامة لفئة تعتبر العمود الفقري لسلسلة النقل والإمداد.
كما أن التحذيرات المرتبطة بانتشار الناموس والحشرات داخل بعض فضاءات الميناء تطرح بدورها إشكالاً أكبر يتعلق بالصحة المهنية. فحين تصل الأمور إلى تسجيل حالات حساسية وأضرار صحية متكررة في صفوف العاملين، فإن المسألة تتجاوز حدود الإزعاج اليومي لتصبح قضية صحة وسلامة تستوجب تدخلاً فورياً.
ويكشف ملف الأوزان الزائدة للشاحنات بدوره جانباً آخر من الاختلالات التي تثقل كاهل المهنيين. فالسائق يجد نفسه في كثير من الأحيان ضحية منظومة لا يتحكم في تفاصيلها، لكنه يتحمل نتائجها القانونية والمادية والمهنية. لذلك تبدو مطالب النقابة المرتبطة بتحديد الأوزان بشكل دقيق ومنع بعض الممارسات الحالية مطالب منطقية تستهدف حماية المهنيين وضمان احترام المعايير القانونية.
إن ما يثير الاستغراب حقاً هو أن هذه المشاكل ليست جديدة أو مفاجئة، بل ظلت تتكرر لسنوات وسط شكاوى متواصلة من المهنيين. ومع ذلك، ما تزال الحلول الحقيقية غائبة، وكأن معاناة السائقين أصبحت جزءاً طبيعياً من المشهد اليومي داخل الميناء.
واليوم، لم يعد المطلوب مجرد وعود أو اجتماعات ظرفية لامتصاص الغضب، بل إطلاق خطة عاجلة لإعادة تنظيم حركة الشاحنات، وتسريع الإجراءات الإدارية والتقنية، وتوفير البنية التحتية الأساسية التي تحفظ كرامة العاملين، وتؤكد أن العنصر البشري يحتل المكانة نفسها التي تحظى بها المؤشرات الاقتصادية والأرقام التجارية.
فالميناء الذي يسعى إلى منافسة أكبر المنصات اللوجستيكية في المنطقة لا يمكن أن يستمر في تجاهل أوضاع فئة تشكل الحلقة الأساسية في حركة البضائع، لأن نجاح أي مرفق اقتصادي لا يقاس فقط بحجم الحاويات التي تمر عبره، بل أيضاً بمدى احترامه لحقوق وكرامة الذين يضمنون استمرارية عمله كل يوم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد