بعد فراغ مؤسساتي طويل.. المجلس الوطني للصحافة أمام اختبار الإصلاح الحقيقي

هبة زووم – الرباط
طوى قطاع الصحافة والنشر بالمغرب صفحة الفراغ المؤسساتي التي استمرت لأشهر، عقب دخول القانون الجديد المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة حيز التنفيذ مباشرة بعد نشره في الجريدة الرسمية، فاتحاً بذلك مرحلة جديدة يفترض أن تعيد ترتيب البيت الداخلي للمهنة وتستجيب لانتظارات المهنيين، بعد سنوات من الجدل حول أداء المجلس السابق، وما رافقه من خلافات قانونية ومؤسساتية.
وجاء هذا التحول بعد استكمال مختلف مراحل المسار التشريعي، من مصادقة البرلمان إلى استيفاء المراقبة الدستورية، ليعود المجلس الوطني للصحافة في حلة قانونية جديدة كمؤسسة مستقلة إدارياً ومالياً، تتمتع بالشخصية الاعتبارية، وتضطلع بتأطير الصحافيين المهنيين والمقاولات الصحافية، في إطار رؤية تروم تعزيز التنظيم الذاتي للقطاع.
ويمنح القانون الجديد للمجلس اختصاصات واسعة، تتجاوز الأدوار التقليدية، إذ أصبح مسؤولاً عن حماية حق المواطنين في إعلام حر ومستقل ومتعدد ومسؤول، والسهر على احترام أخلاقيات المهنة، ومنح وتجديد بطائق الصحافة المهنية، وتدبير السجل الرسمي للصحافيين والناشرين، فضلاً عن ممارسة الوساطة والتحكيم والبت في الملفات التأديبية، وإبداء الرأي في مشاريع القوانين ذات الصلة بالإعلام.
كما أوكل إليه إعداد الأنظمة الداخلية المؤطرة للممارسة المهنية، واقتراح برامج لتأهيل القطاع، والإشراف على التكوين المستمر، وإعداد الدراسات والتقارير، وإقامة شراكات مع الهيئات الوطنية والدولية، في محاولة لإرساء حكامة مهنية أكثر نجاعة واستجابة للتحولات التي يعرفها قطاع الإعلام.
ورغم أهمية هذه المقتضيات القانونية، فإن نجاح التجربة الجديدة لن يقاس بحجم الصلاحيات الممنوحة للمجلس، وإنما بمدى قدرته على ممارستها باستقلالية وشفافية، بعيداً عن كل أشكال الاصطفاف أو الحسابات الضيقة التي أثرت خلال السنوات الماضية على صورة المؤسسة، وأفقدت جزءاً من ثقة الجسم الصحافي والرأي العام.
ويؤكد مهنيون أن المرحلة المقبلة تفرض على المجلس القطع مع منطق التدبير المناسباتي، واعتماد مقاربة تشاركية تقوم على الإنصاف وتكافؤ الفرص واحترام التعددية، مع إيلاء الأولوية لتحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية للصحافيين، وتحصين حرية الصحافة، والارتقاء بأخلاقيات المهنة بعيداً عن أي انتقائية في تطبيق القانون.
كما ينتظر من المجلس الجديد أن يعالج ملفات ظلت عالقة لسنوات، في مقدمتها حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للصحافيين، والتصدي لظاهرة الهشاشة المهنية، وتنظيم العلاقة بين المقاولات الإعلامية والعاملين بها، إلى جانب مواكبة التحولات الرقمية التي غيرت بشكل جذري طبيعة العمل الصحافي وأفرزت تحديات قانونية ومهنية جديدة.
وفي هذا السياق، يكتسي التقرير السنوي الذي ألزم القانون المجلس بإعداده أهمية خاصة، باعتباره مؤشراً حقيقياً لقياس واقع حرية الصحافة، ومستوى احترام أخلاقيات المهنة، والأوضاع السوسيو-اقتصادية للعاملين في القطاع، شريطة أن يتحول إلى وثيقة تقييم موضوعية تقدم تشخيصاً دقيقاً للمشهد الإعلامي، بعيداً عن المجاملة أو التبرير.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم هو أن يشكل المجلس الوطني للصحافة، بصيغته الجديدة، نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي يعيد الاعتبار للمهنة ويكرس استقلاليتها، لأن أي إخفاق جديد لن يكون مجرد تعثر مؤسسة، بل سيعمق أزمة الثقة التي يعيشها قطاع الإعلام، ويؤجل مرة أخرى حلم بناء صحافة مهنية قوية، مستقلة، وقادرة على أداء رسالتها الدستورية في خدمة المجتمع والدولة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد