هبة زووم – الرباط
فتح إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، جبهة سياسية جديدة في النقاش حول المسؤولية عن التعثر التنموي بالمغرب، بعدما دعا إلى توسيع دائرة المحاسبة لتشمل الولاة والعمال، وعدم اختزال المسؤولية في الحكومة والمنتخبين والمؤسسات المنتخبة.
تصريحات الأزمي، التي جاءت خلال استضافته في برنامج “ساعة الصراحة” على القناة الثانية، تنطلق من سؤال يبدو بسيطاً لكنه شديد الحساسية: كيف يمكن تحميل المنتخبين مسؤولية نتائج التنمية ومحاسبتهم أمام المواطنين، بينما توجد برامج وموارد مالية مهمة تحت إشراف السلطات المعينة؟
القيادي في حزب “المصباح” اعتبر أن ما يوصف بـ”المغرب بسرعتين” ليس مجرد توصيف سياسي، بل واقع قائم، مؤكداً أن المسؤولية عنه، من وجهة نظره، لا تقع على الحكومة وحدها، وإنما تمتد إلى مختلف الحكومات وإلى الدولة والسلطات المحلية.
واستحضر الأزمي، في هذا السياق، برامج وموارد مخصصة للتنمية، مشيراً إلى ما سماه “صندوق التنمية المندمجة” والبرامج التي تُمنح للولاة والعمال، مقدراً الموارد المرتبطة بهذه البرامج بحوالي 120 مليار درهم.
وهنا ينتقل النقاش من مجرد تبادل الاتهامات السياسية إلى سؤال جوهري حول من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية.
فإذا كان المنتخب مطالباً بتقديم الحساب أمام المواطن، فإن المنطق نفسه، بحسب الأزمي، ينبغي أن ينطبق على كل مسؤول يمتلك سلطة القرار أو الإشراف على برامج وموارد مالية عمومية.
وطرح الأزمي المسألة بصيغة مباشرة: إما أن يتم منح المنتخبين المسؤولية والاختصاصات والبرامج والموارد، ثم تتم محاسبتهم على النتائج، أو أن يتم نقل البرامج والموارد إلى الولاة والعمال، وفي هذه الحالة، يقول، لا يمكن مطالبة المنتخب وحده بتفسير كل ما يحدث في المجال التنموي.
وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل استمرار النقاش حول طبيعة العلاقة بين المنتخبين والسلطات المعينة، وحدود التدخل والاختصاص، ومدى تفعيل مبدأ التدبير الحر الذي نص عليه الدستور.
الأزمي رفض، في المقابل، وضع جميع المنتخبين في سلة واحدة، مؤكداً أن ليس كل المنتخبين فاسدين، في رسالة سياسية واضحة مفادها أن المحاسبة يجب أن تكون مبنية على المسؤولية الفعلية والاختصاصات الحقيقية، وليس على صورة نمطية تجعل المنتخب الحلقة الوحيدة التي تتحمل غضب المواطن.
وانتقد القيادي في العدالة والتنمية ما اعتبره تركيزاً مفرطاً للمحاسبة على رؤساء الجهات والجماعات والبرلمانيين، في الوقت الذي توجد فيه لدى السلطات المحلية، بحسب تصريحه، برامج وموارد مالية كبيرة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بمن يجب أن يُحاسَب، وإنما أيضاً بآليات هذه المحاسبة ومعاييرها وحدودها.
فالمواطن الذي يعاني من ضعف الخدمات أو تعثر المشاريع أو مشاكل الطرق والماء والكهرباء والصحة والتعليم، غالباً ما يتجه مباشرة إلى الجماعة أو المنتخب، باعتبارها أقرب مؤسسة إليه. غير أن المسؤولية عن عدد من هذه الملفات تتداخل فيها اختصاصات متعددة، ما يجعل تحديد المسؤوليات أمراً ضرورياً حتى لا تتحول المحاسبة إلى مجرد واجهة سياسية.
وفي هذا الإطار، دعا الأزمي إلى إعادة الاعتبار للجهوية المتقدمة والتدبير الحر، مؤكداً أن السلطات المعينة ينبغي أن تمارس اختصاصاتها، بينما يتعين على المؤسسات المنتخبة ممارسة الاختصاصات التنموية والخدماتية المخولة لها قانوناً.
كما شدد على ضرورة تطبيق الدستور والجهوية المتقدمة والتدبير الحر “بحذافيرها”، معتبراً أن المغرب، بحسب قراءته، عرف تراجعاً في ممارسة التدبير الحر، وأن الجماعات الترابية أصبحت في بعض الحالات مجرد واجهة يقصدها المواطن لتقديم الشكايات، بينما لا تتطابق مسؤولية المنتخبين الفعلية دائماً مع حجم الانتظارات الموجهة إليهم.
ولم يسقط الأزمي مسؤولية المنتخبين من حسابه، بل اعتبر أن جزءاً من ضعفهم يرتبط أيضاً بوجود مآخذ وشبهات حول بعضهم، الأمر الذي يجعل بعض المنتخبين، بحسب تعبيره، أقل قدرة على مواجهة الوالي أو العامل وممارسة اختصاصاتهم باستقلالية.
وبذلك يطرح الأزمي معادلة مزدوجة: منتخب قوي ونزيه يمتلك صلاحياته كاملة، وسلطة معينة تمارس اختصاصاتها في إطار القانون، مع خضوع الطرفين للمساءلة كل حسب مستوى مسؤوليته.
أما الانتخابات الجماعية المقبلة، فلم يعتبرها الأزمي بلا جدوى، رغم الإشكالات التي أثارها بشأن الصلاحيات، بل دعا المواطنين إلى اختيار مرشحين أكفاء ونزهاء وقادرين على الدفاع عن اختصاصات مؤسساتهم.
واستحضر تجربة 2015 و2021، معتبراً أن رئيس الجهة ورئيس الجماعة كانا، في تصوره، يمارسان أدوارهما في إطار من الاحترام المتبادل مع الوالي والعامل، بحيث يحتفظ كل طرف بمكانته وسلطته واختصاصاته، مع التعاون لخدمة السكان.
وفي ختام طرحه، أكد الأزمي أن الصلاحيات موجودة في الدستور والقانون، وأن المنتخبين مطالبون بتفعيلها والدفاع عنها، رافضاً اختزال المشكلة في غياب الاختصاصات.
وبينما تستعد البلاد لمحطات انتخابية جديدة، فإن السؤال الذي يضعه هذا النقاش على الطاولة يتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة: إذا كانت المسؤولية يجب أن تقترن بالمحاسبة، فلماذا لا تكون المحاسبة بحجم السلطة والاختصاص والموارد التي يملكها كل مسؤول؟
فالمواطن لا يهمه في النهاية اسم المؤسسة التي أخفقت، بقدر ما يهمه أن يعرف من قرر، ومن أنفق، ومن أشرف، ومن تعثر، ومن يتحمل المسؤولية، ومن سيقدم الحساب.
وإذا كانت هناك برامج بمليارات الدراهم، فإن السؤال عن نتائجها وطرق تدبيرها ونجاعة إنفاقها ليس ترفاً سياسياً، بل يدخل في صميم الحق في المعلومة والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهنا بالضبط تكمن قوة سؤال الأزمي: لا يمكن أن تكون المحاسبة انتقائية؛ فمن يملك القرار والاختصاص والمال العمومي، ينبغي أن يملك أيضاً شجاعة تقديم الحساب.
تعليقات الزوار