حين يتحول وزير الميزانية إلى بائع للوعود: لقجع و”السميك” في زمن الانتخابات

هبة زووم – الداخلة
مرة أخرى، يعود خطاب الوعود الانتخابية إلى الواجهة، وهذه المرة من مدينة الداخلة، حيث اختار فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن يرفع سقف المزايدة السياسية، معلناً موافقة حزبه على رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، بل داعياً إلى تحويل هذا الوعد إلى قرار حكومي فعلي.
وقال لقجع، خلال تجمع انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، إن المقترح المتعلق برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم يحظى بموافقة حزبه، مضيفاً: “من الداخلة نقول متافقين جميعاً، وزير التشغيل عندو الكاشي يدوزو نهار الخميس، حنا متافقين”.
هكذا، وبجملة انتخابية واحدة، انتقل ملف بالغ التعقيد اقتصادياً ومالياً إلى ما يشبه صفقة بسيطة تحتاج فقط إلى توقيع وزير، لكن لقجع، وهو وزير الميزانية قبل أن يكون رجل تجمعات انتخابية، يعرف جيداً أن الأمر ليس بهذه البساطة.
فالحد الأدنى للأجور ليس رقماً يُرمى في الهواء لاستمالة الناخبين، وإنما قرار له كلفة اقتصادية واجتماعية ومالية، وله انعكاسات على المقاولات والتشغيل والأسعار والتنافسية، وعلى توازنات المالية العمومية أيضاً. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحن متفقون؟ وإنما: كم ستكلف هذه الزيادة؟ ومن سيتحمل كلفتها؟ وكيف ستُنفذ؟ ومتى؟ وهنا تحديداً يصبح خطاب لقجع بحاجة إلى أكثر من التصفيق الانتخابي.
فالرجل يوجد في قلب الحكومة، ويتحمل مسؤولية تدبير الميزانية، وليس سياسياً معارضاً يملك رفاهية إطلاق الوعود ثم مطالبة الآخرين بتنفيذها، وحين يقول إن حزبه “متفق” على 5000 درهم، فإن السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هو: هل يتحدث باسم حزب مشارك في الحكومة، أم باسم حكومة يفترض أنه جزء من جهازها التنفيذي؟
إذا كان القرار ممكناً، فلماذا لا تقدم الحكومة مشروعاً واضحاً يتضمن كلفته ومصادر تمويله وآليات تطبيقه؟ وإذا كان غير ممكن في الظروف الحالية، فلماذا يتم تقديمه للمغاربة في تجمع انتخابي وكأنه قرار جاهز لا ينقصه سوى “الكاشي”؟
الأخطر من ذلك أن المغاربة سبق أن استمعوا إلى وعود انتخابية ضخمة، من قبيل وعد إحداث مليون منصب شغل، وهو الوعد الذي استحضره لقجع نفسه عندما تحدث عن قدرة المواطنين على التمييز بين الوعود الصادقة والوعود الانتخابية.
وهنا يبدو أن السؤال يعود إلى أصحاب هذه الوعود أنفسهم: هل المطلوب من المواطن أن ينسى ما قيل بالأمس ويصدق ما يقال اليوم؟
المشكلة ليست في رفع الأجور، بل إن تحسين القدرة الشرائية للطبقة العاملة مطلب مشروع وضروري، وإنما المشكلة في تحويل معاناة المواطنين إلى مادة للمزايدة الحزبية، خصوصاً عندما يأتي الوعد من مسؤول حكومي يعرف أن بين الإعلان عن القرار وتنفيذه عالماً كاملاً من الحسابات الاقتصادية والمالية.
أما أن يخرج وزير الميزانية ليقول للمغاربة إن “الكاشي” يمكن أن يمر يوم الخميس، فذلك تبسيط مخل لملف لا يحتمل التبسيط، فهل أُنجزت دراسة مالية دقيقة؟ وهل تم تقييم أثر رفع الحد الأدنى للأجور على المقاولات الصغرى والمتوسطة؟ وماذا عن القطاعات التي قد تعجز عن تحمل الزيادة؟ وهل توجد إجراءات موازية لحماية القدرة الشرائية من أي ارتفاع محتمل للأسعار؟ ثم ما هو الجدول الزمني الحقيقي للتنفيذ؟
هذه هي الأسئلة التي ينتظر المواطن أجوبة عنها، وليس المزيد من الجمل الرنانة فوق منصات التجمعات الانتخابية، والأمر نفسه ينطبق على الوعود المرتبطة بالدعم الاجتماعي المباشر، فالدولة لا تستطيع أن تتعامل مع الدعم بمنطق المزايدة السياسية، لأن الاستدامة المالية لأي دعم اجتماعي تفرض موارد واضحة وتدبيراً عقلانياً، لا مجرد رفع سقف الأرقام كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية.
لقد آن الأوان لكي تتوقف الأحزاب الحكومية عن لعب دور المعارضة داخل الحكومة، وعن تبادل الاتهامات والوعود وكأن كل حزب يوجد خارج دائرة المسؤولية.
فإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة مقتنعاً بأن 5000 درهم للسميك قرار ممكن وقابل للتنفيذ، فليتحمل مسؤوليته السياسية، وليضع مقترحه على طاولة الحكومة بالأرقام، وليكشف للمغاربة كيف سيمول القرار ومتى سيدخل حيز التنفيذ، أما أن يقول لقجع من الداخلة “حنا متافقين”، فهذا لا يكفي.
المغاربة لا يريدون اتفاقاً انتخابياً جديداً، ولا يبحثون عن مزايدة بين “الجرار” و“الحمامة”، بل يريدون أجوراً حقيقية، وأسعاراً يمكن تحملها، وفرص شغل حقيقية، وسياسات اجتماعية قابلة للاستمرار، لقد سئم المواطن من الوعود التي ترتفع حرارتها كلما اقترب موعد الانتخابات، ثم تنخفض مباشرة بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى لقجع، باعتباره وزيراً مكلفاً بالميزانية، بسيط جداً: إذا كان 5000 درهم للسميك قراراً ممكناً فعلاً، فلماذا لا نرى الأرقام والمرسوم والتمويل؟ وإذا لم يكن ممكناً، فلماذا يُباع للمغاربة في تجمع انتخابي باعتباره مجرد “كاشي” ينتظر التوقيع؟
بين الوعد والقرار توجد الميزانية، وبين الميزانية والواقع يوجد المواطن، وهنا تحديداً تنتهي المزايدة وتبدأ المسؤولية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد