النقل المدرسي بجرادة يدخل مرحلة جديدة والامتحان الحقيقي يبدأ خارج قاعة الاجتماعات

هبة زووم – جرادة
في جرادة، أُعلن عن إطلاق “نموذج جديد” لتدبير أسطول حافلات النقل المدرسي بالعالم القروي، في خطوة قُدمت باعتبارها إصلاحاً وتجويداً لخدمة عمومية ترتبط مباشرة بحق أبناء القرى في الوصول إلى المدرسة، غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه بعيداً عن لغة البلاغات وحفلات الانطلاق هو: هل يتعلق الأمر فعلاً بإصلاح عميق، أم بمجرد تغيير في طريقة تدبير الحافلات؟
ففي مقر عمالة إقليم جرادة، أعطيت، يوم أول أمس الاثنين، الانطلاقة لهذا النموذج لفائدة مجموعة الجماعات الترابية “الأمل”، بحضور عامل الإقليم شكيب بلقايد ومسؤولين ومنتخبين وشخصيات أخرى، بالتزامن مع انطلاق الموسم الدراسي 2026-2027 بجهة الشرق.
الخطاب الرسمي واضح: منظومة حديثة، تدبير مندمج ومنسق، تجويد للخدمة، دعم للتمدرس، ومحاربة للهدر المدرسي، خصوصاً في صفوف الفتيات بالعالم القروي، لكن بين لغة “النموذج الحديث” وواقع التلميذ القروي مسافة لا يمكن اختزالها في حفل انطلاقة أو أسطول حافلات.
فالنقل المدرسي في العالم القروي ليس ترفاً ولا مشروعاً تجميلياً يمكن الاحتفاء به عند انطلاق الموسم الدراسي ثم تركه لمصيره. إنه خدمة أساسية تتوقف عليها، في كثير من الحالات، قدرة التلميذ على الاستمرار في الدراسة أصلاً.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي، هل ستصل الحافلات إلى التلاميذ في الوقت المحدد؟ هل ستُحترم المسارات بشكل منتظم؟ ماذا عن الأعطاب والصيانة؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتوقف حافلة في منطقة نائية ولا يجد التلاميذ وسيلة بديلة؟ وهل توجد آلية واضحة وسريعة لتلقي شكايات الأسر والتدخل لمعالجة الاختلالات؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من عبارة “نموذج جديد”، فالمواطن لا يحتاج إلى تغيير أسماء أنظمة التدبير بقدر ما يحتاج إلى حافلة تصل في موعدها، وسائق مؤهل، وظروف نقل آمنة، وخدمة لا تنهار عند أول عطب أو أول أزمة في الميزانية.
والأهم أن الحديث عن محاربة الهدر المدرسي، وخصوصاً لدى الفتيات القرويات، يرفع سقف المسؤولية أكثر، فإذا كانت المسافة بين البيت والمدرسة أحد أسباب الانقطاع، فإن توفير النقل المنتظم والآمن يمكن أن يكون جزءاً مهماً من الحل، لكن لا يمكن اعتباره الحل الوحيد.
لأن الهدر المدرسي ظاهرة مركبة، ترتبط بالفقر والهشاشة وبعد المؤسسات التعليمية وظروف الأسر وجودة التعليم والنقل وغيرها من العوامل. وبالتالي، فإن تحويل الحافلة إلى عنوان وحيد لمحاربة الهدر قد يكون تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً.
كما أن اختيار شركة التنمية المحلية “أمل جرادة” لتدبير المنظومة يفتح بدوره سؤال الحكامة والمراقبة: ما هي مؤشرات الأداء التي ستُعتمد؟ كيف ستتم محاسبة الجهة المكلفة بالتدبير؟ هل ستُنشر معطيات حول عدد المستفيدين والمسارات ونسب انتظام الخدمة والأعطاب والتكاليف؟ ومن سيراقب جودة الأداء؟ لأن المال العمومي لا يكفي أن يُصرف؛ المطلوب أن يكون صرفه قابلاً للتتبع والتقييم والمساءلة.
وإذا كان الهدف فعلاً هو «تجويد» الخدمة، فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف سيتم قياس هذا التجويد، فالنجاح لا يقاس بعدد الحافلات الموضوعة في الخدمة، وإنما بعدد التلاميذ الذين وصلوا إلى مدارسهم بانتظام، وعدد الأسر التي تخلصت من عبء النقل، ومدى تراجع الانقطاع عن الدراسة في المناطق المستهدفة.
وهنا تحديداً يجب أن تنتقل الإدارة من منطق “أطلقنا المشروع” إلى منطق “هذه هي النتائج”، فحفلات الانطلاق تنتهي في ساعات، أما مشاكل النقل المدرسي فتستمر طوال السنة، والتلميذ لا يعيش على البلاغات، ولا تهمه الكلمات الكبيرة من قبيل “منظومة حديثة” و”تدبير مندمج” إذا كان ينتظر الحافلة في الصباح تحت البرد، أو يعود إلى منزله بعد ساعات من التأخير، أو يجد نفسه مضطراً إلى الانقطاع عن الدراسة بسبب غياب وسيلة نقل منتظمة.
لذلك، فإن النموذج الجديد أمام امتحان حقيقي في جرادة: إما أن يثبت أن الأمر يتعلق بإصلاح فعلي يغيّر حياة التلاميذ، أو يتحول إلى عنوان جديد لمشكلة قديمة، والحكم في النهاية لن يصدره المسؤولون في منصة التدشين، ولا البلاغات الرسمية، وإنما سيصدره التلميذ القروي وأسرته، والطريق والمسار والحافلة، ونسبة الهدر المدرسي بعد موسم كامل من التطبيق.
فإذا كانت جرادة تريد فعلاً محاربة الهدر المدرسي، فإن المطلوب ليس فقط أن تتحرك الحافلات، بل أن تتحرك معها الحكامة والمراقبة والمساءلة، لأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ يوم إطلاق المشروع، بل يوم تبدأ الإدارة في محاسبة نفسها على نتائجه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد