اليحياوي يقرأ حرب الشرق الأوسط من هرمز وباب المندب ويؤكد فشل نظرية الحماية مقابل المال

هبة زووم – الرباط
عاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي إلى التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، واضعاً مضيقي هرمز وباب المندب في قلب قراءته للصراع، باعتبارهما من أهم الممرات البحرية المرتبطة بحركة التجارة والطاقة العالمية.
وفي تدوينة جديدة، اختار اليحياوي لغة حادة في وصف موازين القوة التي أفرزتها التطورات الأخيرة، معتبراً أن إيران تمكنت، وفق قراءته، من فرض نفوذ مؤثر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، بينما يحتفظ الحوثيون بنفوذ مهم على منطقة باب المندب ومحيطها.
ويرى الباحث أن أهمية الممرين لا تكمن فقط في موقعهما الجغرافي، وإنما في ارتباطهما المباشر بحركة الطاقة والتجارة الدولية، الأمر الذي يجعل أي اضطراب أمني فيهما يتجاوز حدود المنطقة ليمس حسابات اقتصادية واستراتيجية دولية أوسع.
ومن هذه الزاوية، يطرح اليحياوي سؤالاً حول جدوى القوة الأميركية في حماية خطوط الملاحة وحلفائها في الخليج، معتبراً أن التطورات الأخيرة أظهرت، بحسب تقديره، حدود القدرة على فرض الأمن بمجرد امتلاك التفوق العسكري.
ويذهب في انتقاده أبعد من ذلك، متوقفاً عند دول الخليج التي أنفقت، على مدى عقود، مليارات الدولارات على شراء الأسلحة وبناء شراكات أمنية وعسكرية مع الولايات المتحدة، ليطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا تفعل كل هذه الاستثمارات العسكرية عندما يصبح أمن الممرات البحرية نفسها موضع تهديد؟
وبالنسبة إلى اليحياوي، فإن المعادلة التي تقوم على «الحماية مقابل المال» تبدو أمام اختبار حقيقي، إذ يعتبر أن الأحداث كشفت، في تقديره، أن العلاقة بين الحامي والمحمي ليست بالضرورة ضمانة مطلقة للأمن.
لكن قراءة المشهد لا تتوقف عند الخليج وواشنطن، فاليحياوي يضع إيران في سياق تاريخي وسياسي أوسع، منتقداً ما يعتبره تدخلاً أميركياً في شؤون المنطقة، ومعتبراً أن الولايات المتحدة تعاملت مع إيران باعتبارها تهديداً محتملاً لإسرائيل وحلفائها.
وهذه قراءة سياسية يتبناها الباحث، بينما تبقى دوافع السياسات الأميركية تجاه إيران موضوعاً خلافياً بين الباحثين والدول والأطراف المعنية، ويتداخل فيه الملف النووي والأمن الإقليمي والعقوبات والصراع الأميركي ـ الإيراني الممتد لعقود.
وفي المقابل، ينتقل اليحياوي إلى اليمن، حيث يعتبر أن الحوثيين نتاج سياق إقليمي معقد، منتقداً بشدة ما يصفه بالحصار الذي فرضته السعودية على اليمن خلال سنوات الحرب، ومقدماً ذلك ضمن تفسيره للصراع الدائر في المنطقة.
ومن هنا يصل إلى خلاصة ذات طابع سياسي وفلسفي: القوة العسكرية وحدها لا تستطيع دائماً صناعة الأمن، كما أن شراء الحماية الخارجية لا يلغي الحاجة إلى بناء منظومة أمنية وسياسية مستقلة، غير أن أكثر أجزاء التدوينة إثارة للجدل هو انتقالها من الجغرافيا السياسية إلى المقارنة المذهبية بين السنة والشيعة.
اليحياوي يعتبر أن الانتماء المذهبي لا يفسر وحده طبيعة السلوك السياسي للدول والحركات، لكنه يستخدم في نهاية تدوينته لغة حادة للمقارنة بين ما يراه «قبولاً بالذل» لدى بعض المجتمعات السنية، وبين ما يصفه برفض المذلة لدى قوى شيعية.
وهذه المقارنة تبقى قراءة شخصية جدلية لا يمكن تعميمها على مئات الملايين من المسلمين أو اختزال الصراعات السياسية المعقدة في الانتماء المذهبي.
فالمشهد الشرق أوسطي أكثر تعقيداً من ثنائية سنّي وشيعي، إذ تتقاطع فيه المصالح الوطنية، والصراعات على النفوذ، والتحالفات الدولية، والطاقة، والممرات البحرية، والأمن الإقليمي، فضلاً عن الملفات الفلسطينية واليمنية والإيرانية.
ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يضعه اليحياوي في صلب قراءته بالغ الأهمية: ماذا يحدث عندما تصبح الممرات التي تحمل جزءاً كبيراً من حركة الطاقة العالمية ورقة ضغط في صراع إقليمي مفتوح؟
هرمز وباب المندب ليسا مجرد مضيقين على الخريطة، إنهما اختبار حقيقي لمعادلات القوة، ولقدرة القوى الكبرى على حماية مصالحها، ولحدود الاعتماد على التحالفات العسكرية الخارجية.
وفي نظر اليحياوي، فإن التطورات الأخيرة تقدم درساً قاسياً لمن بنى أمنه على فرضية أن الأموال والأسلحة والحماية الخارجية تكفي وحدها لصناعة الأمان.
أما المنطقة، فتظل أمام معادلة أشد تعقيداً: عندما تضيق الممرات البحرية، لا يتوقف النفط وحده عن الحركة، بل تتحرك معه السياسة والاقتصاد والأمن وموازين القوة بأكملها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد