اليحياوي يفتح النار من الغرب المنسي: شاحنات “التوفنا” لا تمحو ذاكرة الفيضانات والجفاف

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي تشتد فيه المنافسة الانتخابية استعداداً لاستحقاقات 23 شتنبر، تعود إلى الواجهة أسئلة قديمة حول علاقة المرشحين بالمناطق التي تعاني، بحسب سكانها وفاعلين محليين، من التهميش وضعف الخدمات الأساسية.
ومن “أعماق الغرب المنسي”، اختار الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي أن يقرأ المشهد الانتخابي من زاوية مختلفة: زاوية المواطن الذي يزن المرشح بما قدمه خلال السنوات الماضية، لا بما يعد به خلال أيام الحملة.
وفي تدوينة جديدة، يتحدث اليحياوي عن مرشح يقول سكان المنطقة إنه «الأنسب»، بعدما سبق لهم، وفق روايته، أن جربوه في فترة سابقة، معتبرين أنه كان أفضل من بعض من سبقوه، خصوصاً بسبب خدمات ومساعدات يقول الباحث إن الرجل كان يوفرها لهم، من بينها شاحنات مرتبطة بمواد من المقالع.
لكن اليحياوي يضع علامة استفهام واضحة حول طبيعة هذه الاستفادة، متسائلاً عما إذا كان استغلال المقالع يتم وفق الضوابط القانونية، وهي نقطة لا يمكن حسمها بالخطاب الانتخابي أو بالتداول المحلي، وإنما تحتاج إلى وثائق ومعطيات رسمية.
والأهم بالنسبة إلى الباحث أن هذه الخدمات، مهما كانت طبيعتها، لا ينبغي أن تتحول إلى معيار وحيد لتقييم المرشح، فالمواطن قد يحصل على خدمة فردية أو مساعدة ظرفية، لكنه في الوقت نفسه يعيش داخل منطقة تحتاج إلى طرق ومستشفيات ومدارس وبنيات أساسية ومشاريع تنموية مستدامة.
وهنا تنتقل التدوينة من المرشح المحلي إلى الحزب الذي ينتمي إليه، فاليحياوي يصف «الغرب المنسي» بأنه يحمل ذاكرة ثقيلة تجاه حزب التجمع الوطني للأحرار، منتقداً ما يعتبره فشلاً في الاستجابة لمطالب المنطقة خلال الولاية الحكومية الماضية.
ويستحضر الباحث على وجه الخصوص سنوات الفيضانات والجفاف، معتبراً أن المنطقة لم تحصل، في تقديره، على الدعم الذي كانت تنتظره، كما ينتقد غياب مشاريع كبرى قادرة على تغيير واقعها التنموي.
لكن السؤال السياسي الذي تطرحه التدوينة يظل قائماً: هل يمكن للخدمات الفردية أو العلاقات المحلية أن تعوض غياب سياسة عمومية متكاملة؟ وهل يمكن لمرشح أن يطلب ثقة الناخبين اعتماداً على ما قدمه لبعضهم بشكل مباشر، أم أن المطلوب هو كشف حساب أوسع لما تحقق للمنطقة بأكملها؟
فالفرق كبير بين أن يحصل مواطن على شاحنة من مواد معينة، وبين أن تتوفر الجماعة والدواوير على طرق معبدة، ومرافق صحية، ومدارس لائقة، وماء صالح للشرب، وفرص اقتصادية، واستثمارات قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
كما أن استحضار الفيضانات والجفاف في الخطاب الانتخابي يطرح سؤالاً أكبر حول دور الدولة في المناطق التي تتعرض للكوارث والأزمات المناخية: هل تقتصر الاستجابة على تدخلات ظرفية، أم أن المطلوب هو بناء سياسات دائمة للحماية والإنقاذ والتنمية؟
اليحياوي يذهب أبعد في موقفه، معتبراً أن الناخبين في الغرب المنسي لم ينسوا ما يعتبره تقصيراً خلال السنوات الماضية، وأن ذاكرة المنطقة ستدخل بدورها إلى صندوق الاقتراع.
وهنا تكمن إحدى أهم قواعد الديمقراطية: الناخب لا يصوت فقط على ما يسمعه في الحملة، بل يستطيع أن يحاكم أيضاً ما عاشه خلال الولاية السابقة.
لكن الحكم على المرشحين والأحزاب ينبغي أن يستند إلى الوقائع القابلة للتحقق: ماذا وعدوا؟ ماذا أنجزوا؟ ما حجم الاعتمادات المرصودة؟ ما المشاريع التي اكتملت؟ ومن استفاد منها؟ وما الذي بقي مجرد وعود؟
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه “الغرب المنسي” على جميع المرشحين لا يتعلق فقط بمن يملك القدرة على تقديم خدمة ظرفية أو تنظيم حملة انتخابية ناجحة.
السؤال هو: ماذا ستقدمون للمنطقة ككل؟ لأن شاحنة قد تحل مشكلة يوم، ومساعدة قد تسد حاجة أسبوع، لكن الطريق والمستشفى والمدرسة والماء وفرص الشغل تبقى هي الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي وتنموي.
وفي موسم الانتخابات، قد تختفي الوعود بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، لكن ذاكرة الفيضانات والجفاف والتهميش، إن كانت الوقائع التي يستحضرها اليحياوي تعكس فعلاً تجربة السكان، لا تختفي بسهولة، فالغرب المنسي لا يحتاج إلى من يطرق أبوابه كل خمس سنوات، بقدر ما يحتاج إلى من يتذكره طوال السنوات الخمس.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد