هبة زووم – علال الصحراوي
انعقدت أشغال الدورة العادية لشهر أكتوبر لمجلس جهة العيون الساقية الحمراء، برئاسة سيدي حمدي ولد الرشيد، وبحضور والي الجهة عبد السلام بيكرات، وسط جدول أعمال قد يبدو، للوهلة الأولى، عادياً ومحمّلاً بلغة المصادقة والبرمجة والشراكات، لكنه يفتح في العمق أسئلة أكبر بكثير من مجرد تمرير نقاط الدورة.
فالمصادقة على مشروع ميزانية سنة 2027 ليست في حد ذاتها إنجازاً، كما أن الإعلان عن الدخول في اتفاقية لتأهيل مطار السمارة لا يمكن أن يشكل وحده دليلاً على نجاح التدبير الجهوي. فالمواطن لا يعيش على أرقام الميزانيات ولا على بلاغات المصادقة، وإنما ينتظر أن يرى أثر تلك الاعتمادات على الأرض.
وهنا تحديداً يبدأ الاختبار الحقيقي لمجلس الجهة: ما الذي ستغيره ميزانية 2027 في حياة سكان الأقاليم الأربعة؟ وما هي المشاريع التي ستخرج من رفوف البرامج والاتفاقيات إلى الواقع؟
ميزانية بالملايين.. لكن ماذا عن الأولويات؟
اختار المجلس أن يجعل ميزانية 2027 محوراً أساسياً للدورة، وهو أمر طبيعي من الناحية المؤسساتية، لكن الطبيعي أيضاً أن تخضع هذه الميزانية لنقاش أكثر عمقاً حول الأولويات والنتائج المنتظرة.
فكل ميزانية هي في النهاية ترجمة لاختيارات سياسية وتنموية، ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الموارد والاعتمادات، بل يجب أن يمتد إلى كيفية توزيعها، والقطاعات المستفيدة منها، ومؤشرات قياس أثرها، والجدول الزمني لتنفيذ المشاريع.
أما الاكتفاء بتقديم الميزانية باعتبارها إطاراً لمواصلة الأوراش والبرامج، فيبقي الرأي العام أمام عبارات عامة لا تجيب بالضرورة عن الأسئلة التي تهمه مباشرة.
فالساكنة تريد أن تعرف: ما هي المشاريع ذات الأولوية؟ ما الذي تعثر من البرامج السابقة؟ وما الذي تم إنجازه فعلاً مقارنة بما تمت برمجته؟ وهل ستكون ميزانية 2027 امتداداً لبرامج قائمة أم فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وفق حاجيات المرحلة؟
مطار السمارة.. اتفاقية أم مشروع قابل للقياس؟
أما تأهيل مطار السمارة، فقد حظي باهتمام خاص خلال الدورة، بعدما وافق المجلس مبدئياً على الدخول في اتفاقية شراكة بهذا الخصوص.
ولا خلاف حول أهمية النقل الجوي في دعم الربط بين الأقاليم وتعزيز جاذبيتها، غير أن الموافقة المبدئية على اتفاقية ليست هي إنجاز المشروع.
فالمطلوب، قبل تقديم المشروع للرأي العام باعتباره رافعة للتنمية، هو توضيح كلفته، ومراحل إنجازه، والجهات المتدخلة فيه، وآجاله، ثم الأهم: ما النتائج المنتظرة منه؟
هل سيؤدي تأهيل المطار إلى تحسين فعلي في الربط الجوي؟ وهل سينعكس على تنقل المواطنين؟ وهل سيساهم في إنعاش النشاط الاقتصادي والسياحي بالإقليم؟ وما هي مؤشرات تقييم نجاح المشروع بعد دخوله حيز التنفيذ؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية المشروع، بل تجعل النقاش حوله أكثر جدية، لأن المال العمومي لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم ما يتم رصده، وإنما بما يتم تحقيقه في المقابل.
أربع نقاط.. وماذا عن الحصيلة؟
ومن اللافت أن جدول أعمال الدورة تضمن تقريراً حول نشاط مكتب المجلس خلال الفترة الفاصلة بين الدورتين، إلى جانب المصادقة على محضر دورة يوليوز، لكن لغة البلاغات الرسمية غالباً ما تجعل مثل هذه التقارير تمر دون أن تتحول إلى مناسبة حقيقية لمساءلة الأداء.
فإذا كان مكتب المجلس قد اشتغل بين دورتين، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف ماذا تحقق خلال تلك الفترة؟ وما هي الملفات التي تحركت؟ وما هي المشاريع التي عرفت تقدماً؟ وأين وصلت البرامج التي سبق للمجلس أن صادق عليها؟
فالشفافية لا تعني فقط نشر جدول الأعمال ومحاضر الدورات، وإنما تعني أيضاً تمكين المواطنين من معرفة نتائج القرارات التي اتخذها المنتخبون.
من المصادقة إلى المحاسبة
المشكلة الأساسية ليست في أن المجلس صادق على جميع نقاط جدول الأعمال، وإنما في أن المصادقة أصبحت، في كثير من الأحيان، نهاية النقاش بدل أن تكون بدايته، فبعد كل اتفاقية وبرنامج وميزانية، تبدأ مسؤولية أخرى أكثر أهمية: التتبع والتقييم والمساءلة.
وإذا كانت جهة العيون الساقية الحمراء قد وضعت ميزانية 2027 وبرامج جديدة على الطاولة، فإن الاختبار الحقيقي سيأتي لاحقاً، عندما يصبح مطلوباً قياس نسبة الإنجاز، ومقارنة الوعود بالنتائج، وتحديد أسباب أي تأخر أو تعثر.
فالساكنة لا تحتاج إلى مزيد من لغة “الدينامية التنموية” و“مواصلة الأوراش” إذا لم تكن هذه الدينامية قابلة للقياس على الأرض.
الرهان الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الدورة
انتهت دورة أكتوبر بالمصادقة على نقاط جدول أعمالها، وتُليت في ختامها برقية ولاء وإخلاص إلى جلالة الملك محمد السادس.
لكن انتهاء الدورة لا يعني انتهاء الأسئلة، بل إن الأسئلة الحقيقية تبدأ من اليوم: هل ستتحول ميزانية 2027 إلى مشاريع ملموسة؟ هل سيعرف مطار السمارة التأهيل المنتظر في آجاله وبالمواصفات المطلوبة؟ وهل سيقدم المجلس للرأي العام حصيلة قابلة للقياس بدل الاكتفاء بسرد الأرقام والاتفاقيات؟
فالمجالس المنتخبة لا تُقاس بعدد الدورات التي عقدتها، ولا بعدد المقررات التي صادقت عليها، وإنما بقدرتها على تحويل المال العمومي إلى خدمات ومشاريع ونتائج يشعر بها المواطن.
وهنا تحديداً سيكون مجلس جهة العيون الساقية الحمراء أمام امتحان السنة المقبلة: ليس امتحان المصادقة، وإنما امتحان الأثر.
تعليقات الزوار